الديمقراطية الأميركية.. هل تحتضر؟

بتنا اليوم قريبين جداً إلى خسارة ديمقراطيتنا بل أقرب مما يعتقد الكثيرون.

ماذا لو خسر ترامب؟ سيدّعي أن انتصار جو بايدن كان مبنياً على غش وتزوير

أميركا، كما نعرفها، قد لا تبقى طويلاً. فالوباء سينتهي والاقتصاد سيتعافى لكن الديمقراطية حينما تُفقد قد لا تعود أبداً.

رغم أن التباعد الاجتماعي ربما يُبطئ انتشار المرض فإن عشرات الآلاف من الأميركيين سيموتون بكل تأكيد خلال الأشهر المقبلة.

الإغلاق الاقتصادي والتباعد الاجتماعي  أنتج 17 مليون طلب جديد لتعويضات التأمين عن فقدان العمل خلال الأسابيع الثلاثة الماضية.

*     *     *

إذا لم تكن تخشى من «كوفيد- 19» وعواقبه الاقتصادية، فأغلب الظن أنك لم تكن منتبهاً. فرغم أن التباعد الاجتماعي ربما يُبطئ انتشار المرض، فإن عشرات الآلاف من الأميركيين سيموتون بكل تأكيد خلال الأشهر المقبلة (علماً بأن التقارير الرسمية تقلّل، من دون شك، من حصيلة القتلى الحقيقية).

والإغلاق الاقتصادي الضروري من أجل تحقيق التباعد الاجتماعي — الاقتصاد يوجد في ما يعادل غيبوبة مستحثة طبياً، كما كنت أقول — أدى إلى 17 مليون طلب جديد لتعويضات التأمين عن فقدان العمل خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، وهو من دون شك أقل مرة أخرى من العدد الحقيقي للوظائف التي فُقدت في الواقع.

غير أن الخبر الأكثر إخافة لم يكن يتعلق بالأمراض ولا بالاقتصاد؛ بل بمهزلة انتخابات في ولاية ويسكونسن، حيث أمرت المحكمة العليا بإجراء التصويت عبر الحضور الفعلي للناخبين في مكاتب الاقتراع، رغم المخاطر الصحية، وحقيقة أن الكثيرين الذين طلبوا بطاقات تصويت غيابي لم يحصلوا عليها أبداً.

لماذا كان هذا مخيفاً؟ لأنه يُظهر أن أميركا، كما نعرفها، قد لا تبقى طويلاً. فالوباء سينتهي في نهاية المطاف؛ والاقتصاد سيتعافى في الأخير. ولكن الديمقراطية، حينما تُفقد، قد لا تعود أبداً. والحال أننا بتنا اليوم قريبين جداً إلى خسارة ديمقراطيتنا مما يعتقد الكثيرون.

ومن أجل فهم كيف يمكن لديمقراطية حديثة أن تموت، انظر إلى الأحداث في أوروبا خلال العقد الماضي، وخاصة المجر.

فما حدث في هذا البلد، اعتباراً من 2011، هو أن «فيديتز»، الحزب الأبيض القومي الحاكم في البلاد، استغل موقعه للتلاعب بالنظام الانتخابي وجعل حكمه دائماً في الواقع.

وبعد ذلك، عمل على تعزيز سيطرته أكثر، مستخدماً السلطة السياسية لمكافأة الشركات الصديقة ومعاقبة المنتقدين. ثم راح يقمع وسائل الإعلام المستقلة.

وحتى الأمس القريب، كان يبدو كما لو أن فيكتور أوربان، رئيس المجر قد يتوقف عند السلطوية الناعمة؛ ذلك أنه يترأس نظاماً أبقى على بعض الأشكال للخارجية للديمقراطية، إذ حيّد المعارضة وعاقبها من دون الذهاب إلى حد جعل الانتقاد غير قانوني في الواقع.

لكن الآن تستغل حكومة أوربان فيروس كورونا كذريعة للتخلي حتى عن ادعاء الحكم الدستوري مانحة أوربان السلطة ليحكم بوساطة مراسيم.

وإذا كنت تعتقد أن شيئاً مثل هذا لا يمكن أن يحدث في الولايات المتحدة، فإنك ساذج على نحو ميؤوس منه. بل إن الواقع يشير إلى أنه بدأ يحدث منذ بعض الوقت هنا، وخاصة على مستوى الولايات.

ولاية ويسكونسن، بشكل خاص، باتت في طريقها نحو أن تصبح «المجر المطلة على بحيرة ميشيغن»، في وقت يسعى فيه «الجمهوريون» إلى السيطرة على السلطة بشكل دائم.

إليك القصة حتى الآن: في 2018، صوّت ناخبو ويسكونسن بقوة لصالح سيطرة ديمقراطية؛ إذ اختار الناخبون حاكماً «ديمقراطياً»، ومنحوا المرشحين «الديمقراطيين» 53% من دعمهم في برلمان الولاية.

لكن الولاية خضعت لتلاعب كبير في طريقة تقسيم دوائرها الانتخابية، لدرجة أنه رغم هذه الأغلبية في التصويت الشعبي، فإن الديمقراطيين لم يحصلوا سوى على 36 % من مقاعد الجمعية.

وبدلاً من السعي للتوصل إلى نوع من التصالح مع الحاكم المنتخَب، راح «الجمهوريون» يعملون على إضعاف صلاحياته بشكل فعلي، مقلّصين صلاحيات منصبه بشكل جذري.

ثم جاءت انتخابات الثلاثاء الماضي. في الأزمنة العادية، كان سيتركز معظم الاهتمام على الانتخابات التمهيدية الديمقراطية — رغم أن ذلك أضحى موضوع خلاف عندما علّق بيرني ساندرز حملته الانتخابية. لكن مقعداً في المحكمة العليا للولاية كان أيضاً محل تنافس.

والحال أن ويسكونسن، وعلى غرار معظم البلاد، توجد تحت أمر ببقاء السكان في البيت. وعليه، فلماذا ألح المشرّعون «الجمهوريون»، الذين حظوا بدعم «الجمهوريين» المعينين في المحكمة العليا الأميركية في نهاية المطاف، على إجراء الانتخابات كما لو كان الوضع عادياً؟

الجواب هو أن إغلاق الولاية كان له تأثير أقوى بكثير على التصويت في المناطق الحضرية التي تميل إلى «الديمقراطيين»، حيث كانت أغلبية ساحقة من أماكن التصويت مغلقة، منها في الضواحي أو المناطق الريفية.

وهكذا، استغل «جمهوريو» الولاية الوباء من أجل حرمان الأشخاص الذين كان من المحتمل أن يصوّتوا ضدهم من حقهم في التصويت.

باختصار، إن ما رأيناه في ويسكونسن هو قيام حزب في الولاية بأي شيء من أجل التشبث بالسلطة، حتى وإن كانت أغلبية الناخبين تريده أن يكون خارج السلطة – وكتلة من الحزب في المحكمة العليا الأميركية تدعم جهوده.

دونالد ترامب، وكالعادة، باح بالجزء الذي لا يُجهر به علناً فقال: إذا وسّعنا التصويت المبكر والتصويت بوساطة البريد، «فإنه لن يكون لديك جمهوري يُنتخب في هذا البلد مرة أخرى».

ولكن، هل يشك أحد حقاً في إمكانية حدوث شيء مماثل قريباً جداً على المستوى الوطني؟

الواقع أنه من الوارد جداً أن يتمكن ترامب، في الانتخابات الرئاسية المقررة في نوفمبر المقبل، من انتزاع فوز في «المجمع الانتخابي» بفضل كبح واسع للناخبين. وإذا فعل ذلك — أو حتى إذا فاز بشكل نظيف — فإن كل ما رأيناه يوحي بأنه سيستخدم ولاية ثانية لمعاقبة كل من يعتبره عدوا داخليا، وأن حزبه سيدعمه في ذلك على طول الخط. أي أن أميركا ستصبح مثل المجر.

ماذا لو خسر ترامب؟ إنك تعرف ما سيفعله: إنه سيدّعي أن انتصار جو بايدن كان مبنياً على غش وتزوير، وأن ملايين المهاجرين غير الشرعيين أدلوا بأصواتهم، أو شيئاً من ذاك القبيل. لكن، هل سيدعم الحزب الجمهوري، وربما الأهم من ذلك، قناة «فوكس نيوز»، رفضه الاعتراف الواقع؟ ماذا تعتقد؟

لهذا، فإن ما حدث في ويسكونسن مؤخراً يخيفني أكثر من المرض أو الكساد. ذلك أنه يُظهر أن أحد حزبينا الرئيسيين لا يؤمن بالديمقراطية بكل بساطة. وعليه، فإن الحكم السلطوي قد يكون قريباً جداً!

* بول كروغمان أكاديمي أميركي حائز على جائزة نوبل في الاقتصاد

المصدر | نيويورك تايمز