الجمعة 29 مايو 2020 10:32 ص

معركة "الطرد" بين أمريكا وإيران

ما الذي يفسر إعادة إحياء النشاط العسكري لتنظيم «داعش» في كل من سوريا والعراق؟

هل كسبت إيران أو هي في طريقها إلى كسب معركتها لـ«طرد الأمريكيين من العراق»؟!

إلى أي حد يمكن أن يؤثر تباين المواقف بين أمريكا و(إسرائيل) بخصوص المشروع الروسي في سوريا؟

تزداد الأمور تعقيدا حول سياسة أمريكا في سوريا فهل تريد طرد إيران من سوريا أم طرد إيران وروسيا معاً؟

ما الذي ينتظر سوريا وهل تقايض واشنطن خروجها من العراق بإخراج إيران من سوريا ولماذا إقحام روسيا في المعادلة؟

*     *     *

رغم ضبابية الآفاق التى تنتظر الحوار الاستراتيجي الأمريكي مع العراق، وهو الحوار الذي من المقرر أن يجري يومي 10 و11 يونيو/ حزيران المقبل.

إلا أن مجرد طرح الأمريكيين هذه الفكرة، وحديث مايك بومبيو عنها خلق انطباعاً ما مفاده أن واشنطن باتت مضطرة لمراجعة سياسة تواجدها في العراق.

وأنها، لحزمة من الأسباب بعضها داخلي وبعضها خارجي أصبحت مقتنعة بضرورة التوصل مع الحكومة العراقية الجديدة، التي تحظى بدعم أمريكي غير خفي، إلى خطة تؤول في النهاية إلى «جدولة الوجود العسكري» بما يؤمن ويحفظ مجمل المصالح الأمريكية، وبما لا يسمح لإيران بالتفرد بالنفوذ في العراق.

هذا النوع من التفكير خلق انطباعاً مباشراً مفاده أن إيران كسبت، أو هي في طريقها إلى كسب معركتها لـ«طرد الأمريكيين من العراق» وهي المعركة التي أخذت تلخص جوهر الاستراتيجية الإيرانية فى العراق، وبالتحديد منذ حادثة اغتيال الأمريكيين الجنرال قاسم سليماني القائد السابق لفيلق القدس في الحرس الثوري.

فقد أكد أكثر من مسؤول إيراني على أن «طرد الأمريكيين من العراق هو الثمن الذي يجب أن يدفعوه لقاء الاغتيال». لكن أحداثاً جديدة، وبالتحديد في سوريا عادت لتلقي بظلال من التشاؤم على هذا النوع من «التفكير التفاؤلي» بوجود فرص قوية لإيران لطرد الأمريكيين من العراق.

هذه الأحداث الجديدة تطرح أفكاراً على الطريق المعاكس تماماً، حيث تتحدث عن توجه أمريكى لـ«طرد إيران من سوريا» وهو التوجه الذي لا يعني فقط، في حال حدوثه، انتصاراً أمريكياً و(إسرائيلياً) للقضاء على إيران كخطر يهدد أمن (إسرائيل) والمصالح الأمريكية!

بل يعني أيضاً نفي أية نية أمريكية للانسحاب من العراق، وطرح علامات استفهام مبكرة بالنسبة لمستقبل الحوار الاستراتيجي الأمريكي- العراقي.

هذه الأحداث الجديدة، بعضها عسكري وبعضها سياسي تكشف عن توجه أمريكي جديد للبقاء في سوريا لتحقيق هدفين، أولهما إجبار إيران على الخروج من سوريا، وثانيهما إفساد المشروع الروسي هناك، وفرض الأجندة الأمريكية لحل الأزمة السورية مجدداً على أنقاض إطار «أستانة».

لكن هذا التوجه الأمريكي يتم بالتنسيق الكامل مع «إسرائيل» لتحقيق هدف طرد إيران من سوريا، لكنه يواجه بعض التعارضات مع تل أبيب في حرصها على المحافظة على قنوات تواصل مع روسيا هدفها أن تعطي موسكو ضوءاً أخضر لـ(إسرائيل) كي تضرب كل مناطق وجود ونفوذ إيران و«حزب الله» اللبناني على الأراضي السورية مقابل أن تقوم «إسرائيل» بدعم المشروع الروسي فى سوريا.

إلى أي حد يمكن أن يؤثر تباين المواقف بين واشنطن وتل أبيب بخصوص المشروع الروسي في سوريا؟

سؤال ربما تقدم إجابته توضيحات لمستقبل الصراع الجديد الذى ينتظر سوريا، الذي بدأ يأخذ أبعاداً عسكرية فى شكل تكثيف الضربات «الإسرائيلية» على مناطق الوجود العسكري الإيراني، وفي شكل إعادة إحياء النشاط العسكري لتنظيم «داعش» في كل من سوريا والعراق.

هذا الترابط بين الاعتداءات «الإسرائيلية» المكثفة على سوريا وإعادة إحياء نشاط تنظيم «داعش» أثار تساؤلات جادة حول إمكانية وجود ترابط وتنسيق بينهما في ظل معلومات نقلها «المرصد السورى لحقوق الإنسان» تحدث فيها عن

«تحالف ثلاثي» بين «إسرائيل» وقوات التحالف الدولي (أي أمريكا) وروسيا بتنسيق مع قوات سوريا الديمقراطية يعمل بشكل غير مباشر لإغلاق طريق طهران-بيروت من الجانب السوري ومجابهة النفوذ الإيراني بالبادية السورية، وإحلال قوات روسية محل الميليشيات الموالية لإيران فى هذه المنطقة.

التصعيد «الإسرائيلي» ضد سوريا بدأه يوم الثلاثاء (18/5/2020) نفتالي بينيت وزير الحرب «الإسرائيلي» فى الحكومة «الإسرائيلية» المستقيلة في مقابلة مع قناة «كان-11» التلفزيونية «الإسرائيلية» قال فيها إن الدولة العبرية «ستواصل عملياتها فى سوريا حتى رحيل إيران».

وكان بينيت قد خاطب الهيئة العامة لقيادة أركان الجيش السوري حيث ما ذكره إليكس فيشمان محرر الشؤون العسكرية فى صحيفة «يديعوت أحرونوت» بأن:  

«سياسة مواجهة إيران في عهده قد تغيرت، وأنه انتقل عملياً من سياسة الرد على الاستفزازات الإيرانية في سوريا إلى سياسة المبادرة وتوجيه الضربات للأهداف الإيرانية وأن هذه الضربات ستكون مكثفة جداً»، وهدفها إخراج إيران من سوريا.

دخول الولايات المتحدة طرفاً مباشراً في هذا التصعيد بدأه وزير الخارجية مايك بومبيو أثناء زيارته مؤخراً إلى «إسرائيل» وتلاه جيمس جيفري المبعوث الأمريكي إلى سوريا، يؤكد وجود تغيير حقيقي في السياسة الأمريكية تجاه سوريا وبالتحديد باتجاه إخراج إيران منها.

بومبيو قال إن «الولايات المتحدة و(إسرائيل) تريدان من النظام الإيراني مغادرة سوريا»، أما جيفرى فقال في كلمة له أمام معهد «هدسون» بالعاصمة واشنطن إن بلاده «ستواصل وجودها العسكري في سوريا» مشيراً إلى أن هدفها هو جعل الحرب هناك «طريقاً مسدوداً بالنسبة لروسيا».

كلام جيفري خطير، ويزيد الأمور تعقيداً حول السياسة الأمريكية. هل تريد طرد إيران من سوريا أم طرد إيران وروسيا معاً؟

السؤال الأكثر تعقيداً هو، ما الذي ينتظر سوريا، وهل واشنطن تريد مقايضة خروجها من العراق مقابل إخراج الإيرانيين من سوريا، ولماذا إقحام روسيا في هذه المعادلة؟

* د. محمد السعيد إدريس نائب مدير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام.

المصدر | الخليج - الشارقة