الأحد 31 مايو 2020 11:43 ص

المشروع الروسي خارج الزمان والمكان

ليس في قدرة المحتل الروسي إعادة الشعوب لقمقم الاستبداد والاحتلال.

لدى المحتل والاستبداد فائض قوة خشنة للتدمير والخراب لكن لا قوة ناعمة لتسويق برنامجه وجذب الشعوب إليه.

استراتيجية القتل والإبادة والتهجير والأسلحة المحرمة دولياً لإخضاع الشعوب هي الأسلحة ذاتها التي ثبت فشلها.

هزيمة حفتر في ليبيا لن تُقرأ أبداً على أنها انهيار له وحده ولمن شغّله ودفع له لكنه انهيار مشروع الثورات المضادة

أتى تحالف روسيا مع قوى استبداد ديكتاتورية لإخضاع الربيع العربي وثوراته ليزيد الشقة بينه وبين واقع البلاد العربية وشعوبها.

*     *     *

ما جرى أخيراً في ليبيا من انهيار وهزيمة لم يكن لقوات الانقلابيين والثورة المضادة بزعامة خليفة حفتر، ولا للمشغل الروسي والإماراتي، بقدر ما هو انهيار للأسلحة الروسية، وعلى رأسها منظومة سلاح «بانتسير» المفترض أن تكون مضادة للطائرات، فتحوّلت خلال دقائق إلى خردة تباع في المزاد العلني.

ومن قبل تحوّلت المضادات نفسها أو قريباً منها، إلى المصير نفسه في سوريا، يوم كانت طائرات بلا طيار البيرقدار التركية تتصيّد أهداف العصابة الطائفية في شوارع وأزقة وحارات الشمال السوري.

وعلى مدى سنوات ونحن نرى المضادات لا تحرك ساكناً تجاه الطائرات الصهيونية التي تقصف حلفاء روسيا في سوريا من الميليشيات الطائفية الأسدية أو الحليف الإيراني.

هزيمة حفتر في ليبيا لن تُقرأ أبداً على أنها انهيار له فقط، ولمن شغّله ودفع له، ولكنه انهيار مشروع الثورات المضادة، الذي لا يزال يعاند حركة الشعوب، ويقاوم ويمانع الدورة الحضارية المتشوّقة للحرية.

فبعد الهزيمة الساحقة التي تعرّض لها في أفغانستان على يد المجاهدين الأفغان أواخر الثمانينيات، وكانت هزيمة مزّقت الاتحاد السوفييتي، وقلصت أرضه الجغرافية، وقلّصت معه نفوذه السياسي والاقتصادي، يحاول خلفاؤه اليوم اللعب على حساب تراجع الدور الأميركي في مناطق عالمية عدة.

لكنه لعب يثبت من جديد أنه يفتقر إلى الكثير من الأدوات التي تناسب العصر الحالي، فلا تزال أدواته هي نفس الأدوات التي سعى من خلالها إلى الهيمنة على أفغانستان وغيرها، وفشل، واليوم يقتفي الأثر نفسه بالاعتماد على أدوات أحزاب ديكتاتورية ديناصورية من التاريخ البائد، المفصولة عن شعوبها وعن حاضرها.

ويعتمدون كذلك على استراتيجية القتل والإبادة والتهجير والأسلحة المحرمة دولياً، لإخضاع الشعوب، وهي الأسلحة ذاتها التي ثبت فشلها إن كان في داخله يوم أخضع الجمهوريات الإسلامية والمسيحية فتمردت عليه في أقرب فرصة، أو من خلال الاستراتيجية الإبادية التي اعتمدها لعقد كامل في أفغانستان فثبت فشلها وعقمها، وخسر بالتالي الأرض والإنسان على حدوده بالأمس، وفي مجال نفوذه الحيوي اليوم.

اليوم يتكرر الأمر نفسه في سوريا وليبيا، وهو ما يصرّ على استنساخه في دول أخرى، وكأن الزمن لم يتغير بالنسبة له، وقد توقف تماماً، وحين سعى الروسي إلى عقد مصالحات في الجنوب السوري فاعتمد على أدوات جديدة قبل أن تتعامل معه من مقاتلي الثورة وكتائبها.

فاته أنه لا يستطيع أن يلعب هذا الدور نظراً للنظرة الإنسانية تجاهه، فهو بنظر البشر، فضلاً عن الثوار، جزء من المشكلة وليس جزءاً من الحل، فهو الذي دعّم الاستبداد على مدى عقود، وهو الذي سعى إلى تثبيته في ظل الربيع العربي وثوراته.

وهو ما أدى ونجم عنه انهيار لمشروع سعى إلى ترويجه في درعا إن كان على المستوى السياسي أو على المستوى العسكري، فالمحتل والاستبداد لديه فائض قوة خشنة للتدمير والخراب، ولكنه محروم من فائض قوة ناعمة لتسويق برنامجه وجذب الشعوب إليه.

وقد أتى تحالفه مع قوى استبدادية شمولية ديكتاتورية لإخضاع الربيع العربي وثوراته ليزيد من الشقة بينه وبين الواقع الذي تعيشه الدول العربية وشعوبها، والتي من الصعب–إن لم يكن من المستحيل–قدرته في إعادة جنّ الشعوب لقمقم الاستبداد والاحتلال.

ليس أمام المشروع الروسي إلا الاعتذار للشعب السوري عما أجرم به طوال سنوات، وليس أمامه إلا الانشقاق عن نظام طائفي ثبت يوماً بعد يوم أن خطره على الشعوب العربية والإنسانية بقدر خطره على الشعب السوري.

* د. أحمد موفق زيدان كاتب صحفي وإعلامي سوري

المصدر | العرب القطرية