الاثنين 15 يونيو 2020 03:45 م

العراق ولبنان ومخارج النفق

انهيار النظام المالي في لبنان ليس سوى مقدّمات لـ«قيصر» والآتي سيكون أسوأ.

المناخ السياسي الجديد في بغداد سيُخرج العراق من شبكة دعم كانت حكومات سابقة تساهم فيه وتسهّله.

اشتداد الأزمة الاقتصادية بعد زمن من استفحال فساد متحالف مع سطوة الطوائف والميليشيات والتهامه موارد مالية.

*     *     *

فيما يبزغ الأمل في العراق بتصحيح أوضاع الدولة وبناء الثقة فيها، خطوةً خطوةً، وبكثير من التأني والحذر، تسقط كل الآمال في لبنان ببقاء الدولة واستعادة جزء يسير من الاستقرار النسبي الذي كان سائداً إلى ما قبل تسعة شهور.

ورغم الفارق بين البلدين ومواردهما، يتشابه مساراهما في نقاط عدة، وتبقى أهمها ضرورة الخلاص من الواقع الذي فرضته ميليشيات مسلّحة تهمّش الجيش الوطني وتنافسه وتعمل وفقاً لأجندة خارجية. والتشابه الآخر في اشتداد الأزمة الاقتصادية بعد زمن من استفحال الفساد المتحالف مع سطوة الميليشيات والتهامه الموارد المالية.

ما فتح كوّة الضوء في النفق العراقي المظلم هو وجود حكومة جديدة تبدو إلى حدٍّ ما متهادنة مع الشارع، ويراهن عليها مريدوها وحتى خصومها لتغيير وجهة البلد من الانزلاق المستمر في هوّة الضياع!

المريدون لأنهم يتطلعون إلى دولة تقوم بواجباتها وتحتكر السلاح وتوظّفه في خدمة الاستقرار، والخصوم لأنهم يبغون الحفاظ على حدٍّ أدنى من مصالحهم بعدما أظهر الشعب نبذاً واضحاً لهم وأدركوا فشل نهجهم.

أما في لبنان فإن الحراك الشعبي كشف ازدواجية الدولة والدويلة، ولم يعد الحكم والحكومة سوى واجهة للسلطة الفعلية التي يمارسها «حزب الله» بسلاحه غير الشرعي، لكنه لا يملك الخبرة والكفاءة لمعالجة الأزمة الراهنة.

خصوصاً بعدما اتضح أن جانباً مهماً من الاختلال المالي في لبنان جاء من ضغوط «الحزب» الذي ربط بين الاقتصادَين اللبناني والسوري وقادهما في النهاية إلى إفلاس مشهود.

قبل أيام انخرط وفدان أميركي وعراقي في «حوار استراتيجي» يفترض أن يساعد الحكومة العراقية في أكثر من مجال.

وعدا عن وضع ضوابط للعلاقات العسكرية لئلا تتسبب بمدّ الصراع الأميركي الإيراني إلى الساحة العراقية، تبدو بغداد مصممة على جعل العلاقة الاستراتيجية مع واشنطن عنصراً فاعلا في الحصول على دعم خارجي لتجاوز أزمتها الاقتصادية المركّبة، مقتنِعةً بأنها لن تحقّق هذا الهدف إلا بارتكازها إلى ضمانات أميركية قد تكون شروطها قاسية لكنها تعيد العراق إلى الخريطة الدولية.

وفي المقابل دخل لبنان مفاوضات صعبة مع صندوق النقد الدولي، لكن بوفد متعدد الرؤوس على خلفية حكومة متخبّطة وخطة إصلاحات مشوّشة وممارسات سياسية متناقضة، وأصبح معروفاً أن الجانب اللبناني يخوض المفاوضات بمحدّدات وضعها «حزب الله» لاستدراج مساعدات من دون شروط (أميركية)، لذلك فإن أي مساعدة لن تتخطّى تمكين لبنان من تأمين الحاجات الإنسانية الأساسية، أما معالجة الأزمة المالية فأمر آخر.

وفي الأثناء يدخل «قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين» على خطّي بغداد وبيروت بعقوبات تنال من كل جهة (دولةً كانت أم جماعةً أم فرداً) تدعم النظام السوري.

وكانت إيران الداعمة لهذا النظام قد تدخّلت عبر أذرعها في لبنان والعراق لتأمين شبكات دعم لدمشق، غير أن واشنطن تستعدّ لاستخدام «قانون قيصر» لاستهداف تلك الشبكات وفرض عقوبات على أعضائها. تلك وسيلة قصوى لمزيد من الضغط على إيران، لكن أيضاً على روسيا، لرفع العراقيل أمام حل سياسي في سوريا.

والأرجح أن المناخ السياسي الجديد في بغداد سيُخرج العراق من شبكة الدعم الذي كانت الحكومات السابقة تساهم فيه وتسهّله. أما انهيار النظام المالي في لبنان فلم يكن سوى مقدّمات لـ«قيصر» والآتي سيكون أسوأ.

* عبد الوهاب بدرخان كاتب صحفي لبناني  

المصدر | الاتحاد الظبيانية