الثلاثاء 16 يونيو 2020 05:10 م

إزالة «التماثيل» بين تصحيح الحاضر ومراجعة التاريخ

كرست مئات النصوص بمعاهدات وقوانين نهاية الاستعمار والعبودية والعنصرية.. من يصدّق أن حبرها قد أزالها فعلاً من العقول والنفوس؟

*     *     *

فجأة تحوّلت التماثيل والنصب التذكارية من معالم تاريخية ومفاخر تاريخية وجواذب سياحية، إلى رموز خزي وعار وموضع إدانة ومساءلة، أصبحت آيلة للإزالة ليس من أمام الأنظار فحسب، بل أيضاً من الذاكرة والسجلات، وحتى من التعليم والثقافة.

لم يتطلّب الأمر أكثر من إنزال لتمثال واحد في بريطانيا، استطاعت حملة «حياة السود مهمة» أن تتصيّده في مدينة بريستول، حتى أُخضعت عشرات كثيرة من التماثيل لـ«مراجعة» تجريها البلديات وتقرّر مصيرها.

في حين نأت الحكومة بنفسها، رغم أن غالبية الشخصيات «المخلّدة» المذمومة تنتمي إلى حزب المحافظين، وبينهم رؤساء حكومة مثل وليام غلادستون وروبرت بيل اللذين كانا مدافعين عن العبودية والاستعمار، وصولاً إلى ونستون تشرشل بطل الحرب العالمية الثانية!

إذ كانت لديه آراء استعمارية، إذ وُضع هؤلاء جميعاً في سلّة واحدة مع كبار تجار العبيد، من إدوارد كولستون إلى سيسيل رودس الذي خلع اسمه على بلدين إفريقيين «روديسيا الشمالية والجنوبية اللتين أصبحتا لاحقاً زامبيا وزيمبابوي».

لم تتأخر التحليلات التي تخلص إلى أن موجة الاحتجاجات ضد العنصرية، بعد مقتل المواطن الأميركي الأسود جورج فلويد اختناقاً تحت ركبة شرطي أبيض، أحدثت «ثورة ثقافية»، فعلى الجانب الآخر من الأطلسي قُطع رأس تمثال كريستوفر كولومبوس، وتعرض آخر للتخريب في ميامي، ورُمي ثالث في بحيرة في فيرجينيا.

واعتُبر مكتشف أميركا مسؤولاً عن فتح القارة لتجار الرقيق. وتدور معركة حول تشريع يدرسه الكونجرس ويرفضه دونالد ترمب، وقد يستخدم حق «الفيتو» ضدّه لأنه يقضي بتغيير أسماء منشآت عسكرية تحمل أسماء قادة عسكريين جنوبيين خلال الحرب الأهلية «1861-1865» كانوا من المدافعين عن نظام العبودية.

ولأن المسألة باتت تظلّل المنافسة بين الحزبين وحملة الانتخابات الرئاسية، فقد طالبت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي بإزالة 11 تمثالاً لعسكريين ومسؤولين «كونفيدراليين»-انفصاليين رفضوا تحرير الزنوج- من مبنى الكابيتول، فيما يهاجم حزبها -الديمقراطي- اختيار ترامب «يوم اللا حرية» لإقامة مهرجان انتخابي في طلسا، المدينة التي اشتهرت بوقوع مذبحة عنصرية فيها عام 1921.

يرى باحثون اجتماعيون أن الحملة المناهضة للعنصرية انطلقت هذه المرة من مستويات غضب وتعبير ومطالب غير مسبوقة، ذهب بعض منهم إلى أن الحملة تأثّرت أيضاً بـ«المراجعات» الذاتية والجماعية التي حصلت في سياق مواجهة وباء «كورونا» بالاعتزال المنزلي، لتطرح نوعاً من المراجعة التصحيحية للتاريخ.

فالمجتمعات اختزنت حنقها على الحكومات، وبالأخص منها تلك التي انكشف تقصيرها «الولايات المتحدة وبريطانيا» في مكافحة تفشّي الفيروس، وما أن طرأ الحادث العنصري في مينيابوليس حتى انفجر غضبها وبدت جاهزة للتفاعل معه سريعاً وفي العمق.

ورغم أن استهداف التماثيل أو تغيير أسماء المعالم ليسا جديدين، بل كانا محور مطالبات دائمة ما لبثت أن قفزت إلى الواجهة ووضعت على محك التطبيق.

يقال أيضاً إن ثمة تغييراً في الذهنيات، لكنه يحصل لدى المحتجّين الناقمين، وليس ملموساً في الحكم وسياساته، هذه المرّة لم يكتفِ الشارع بإشهار استنكاره واقعة مقتل فلويد، بل جاء غضبه سيلاً جارفاً آخذاً في طريقه الخيط الرابط بين الماضي والحاضر، بين الاستعمار ونظامَي العبودية والعنصرية، بدليل تلك الشواهد «التماثيل» التي تمجّدها، وفي مختلف الأماكن اتخذ الاحتجاج منحى «يسارياً»/ ليبرالياً، لذلك لن يتأخر رد الفعل اليميني/ الشعبوي عن مواجهته.

لكن السؤال الأهم يتناول مئات النصوص التي كرّست -بالمعاهدات والقوانين- نهاية الاستعمار والعبودية والعنصرية، ومن يصدّق أن حبرها قد أزالها فعلاً من العقول والنفوس؟

* عبد الوهاب بدرخان كاتب صحفي لبناني

المصدر | العرب القطرية