استطلاع رأي

أي من هذه الدول تمارس الدور الأكثر إيجابية في حرب غزة؟

السعودية

مصر

قطر

إيران

تركيا

أهم الموضوعات

طبقات اليمين الإسرائيلي وبصيرة دا سيلفا

عن أوهام التفاؤل الأميركي

أزمة اقتصاد مصر وانتظار الفرج من الخارج

نحو وقف الحرب على غزة

سيناريو اليوم التالي للحرب

رغم البربرية المهيمنة: نجاحات مضادة!

الجمعة 19 يونيو 2020 04:46 م

رغم البربرية المهيمنة: نجاحات مضادة!

يمكن أحيانا تحقيق نجاحات مضادة للوجهة العامة المهيمنة. مبروك والى مزيد من المقاومة. فلا خيار آخر لو أردنا عدم الخضوع للبربرية القاتلة.

*     *     *

يوم 11 من حزيران/يونيو صدر عن المحكمة الأوروبية لحقوق الانسان CEDH قرار يدين الحكومة الفرنسية لمعاقبتها مناضلين من حركة مقاطعة اسرائيل BDS ، وهي حركة عالمية ومتأصلة في كل بلدان المعمورة. أدان الحكم الاجراء الفرنسي، وحكم بتعويضات للمناضلين وبسداد كلفة التقاضي التي تكبدوها!

ويوم 18 من الشهر الجاري نفسه، رد المجلس الدستوري الفرنسي مشروع قانون كان التشكيل الحاكم الذي يرأسه ايمانويل ماكرون، قد تقدم به للبرلمان الذي... أقره! مشروع القانون يتعلق بحظر بعض المواد على الانترنت بكل وسائطه، بناء على شكوى، وبقرار من الشرطة أو من مديري مواقع الانترنت!

ويرفق ذلك بعقوبات حبس (سنة) ومالية (250 الف يورو). قالوا لهم غير دستوري، ومخالف لاعلان حقوق الانسان والمواطن الصادر في 1789!

ولأننا اعتدنا منذ سنوات، صارت طويلة، على تجرع الهزائم، وعلى توقّع التراجعات المسجلة في كل مجالات حقوق البشر، ومقاومة هذا الاتجاه لمن هم الاكثر شجاعة من بيننا، فقد كانت المفاجأة - الفرحة كبيرة:

يمكن اذاً - وإنْ احياناً – تحقيق نجاحات مضادة للوجهة العامة المهيمنة، نجاحات جرى العمل من أجل نيلها بقوة ومثابرة لا يعادلها إلا الادراك المتين أن هناك خطر يتمثل بالاقتراب المتعاظم لهؤلاء البشر من حافة الهاوية: في المشاكل البيئية والمناخية المهدِّدة للوجود على الارض، والتي ستنفجر بعد جائحة وباء كوفيد 19، المتمكن من العالم كله بوقت قصير لأنه كان مهيئاً لاستقباله... الى ما يتفرع عن ذلك كله.

ويخص نمط الانتاج القائم على رمي ملايين الشغيلة البؤساء في حيز متعاظم من شروط الحياة السيئة وانهيار الضمانات الصحية والاجتماعية، بحيث أن الجيل الراهن من الشباب في العالم، بما فيه ذلك "المتقدم"، سيعيشون في ظل ظروف أسوأ مما عرفه آباؤهم. وبذا يتبخر حلم "التقدم" المضطرد الذي وُعد به البشر منذ سيادة افكار "الحداثة".

نجاحات ثمينة اذاً، ولا سيما أن فرنسا تلعب دوراً "ريادياً" في قيادة اتجاه التراجع ذاك، بكثير من الديماغوجيا التي تغلّف افكاراً نيوليبرالية فظة بغلاف "التقدم والتغيير".

ديماغوجيا لأن النتائج لا صلة لها بالمبررات التي ما زالت تغرف من معين أدب الثورة الفرنسية وأفكار عصر الانوار، بطريقة انتقائية بالطبع ومحوّرة بالضرورة...

وهي الافكار التي صارت هي نفسها موضع نقد ومراجعة أصلاً من مفكرين غربيين جذريين تحرروا من الاعجاب الأبله بها، من دون التخلي عن القيم التأسيسية لها، حتى لو كانت مدّعاة.

وهي تُنقد وتُراجع خصوصاً من ابناء الشعوب التي اضطهدت باسمها، بحجة "تطويرها" بينما كان الأمر عائد الى الاستعمار والنهب والعنف الوحشي.

المحكمة الأوروبية لحقوق الانسان حكمت في 11 حزيران/يونيو إذاً بلا قانونية التدابير الفرنسية المدينة لحركة مقاطعة البضائع الاسرائيلية واعتبرت ان عمل حركة المقاطعة ودعواتها وحملاتها تندرج كلها في مجال "حرية التعبير".

وكان "المجلس التمثيلي للهيئات اليهودية في فرنسا" ((CRIF شديد النفوذ لدى الطبقة السياسية في البلاد، قد عمل على ادانة لافكار المقاطعة ومناهضة اسرائيل، بل ونقد الصهيونية، باعتبارها "معادية للسامية".

ونال جهده قبولاً حتى كرر الرئيس ماكرون تلك المعادلة التي تساوي بين مناهضة الصهيونية ومعاداة السامية، معتبراً أن الاولى هي التعبير المعاصر عن الثانية!

اتخذت المحكمة الاوروبية قرارها بالاجماع. وهي قررت أن مجابهة نظام التمييز العنصري ("أبارتهايد") كما وصفه هؤلاء المناضلون هو شأن "ينتمي الى المصلحة العامة"، وأن الدعوة لـ"احترام القانون الدولي من قبل دولة اسرائيل وأوضاع حقوق الانسان في الاراضي الفلسطينية المحتلة يندرجان في السجال الراهن، القائم في فرنسا كما في المجتمع الدولي".

وأما المجلس الدستوري فتصدى لمشروع قانون كان سيُستخدم لو أقر "لغايات سياسية" وبشكل "استنسابي" كما قدّر، طالما أن ضابط شرطة أو مدير المنصة يمكنهما اتخاذ قرار بسحب المادة وخلال وقت لا يسمح بالنقاش أو بالشكوى الى قاضي (بين ساعة و24 ساعة حسب المواد "المشكوك" بها).

قال المجلس ان لا حظر من دون قرار من قاضٍ وأن الأمر يحتاج الى تطوير ترسانة قانونية يستند اليها. وقال قرار المجلس الدستوري أن "حرية التعبير هي شرط للديمقراطية".

ويبدو أن مشروع القانون مفبرك على عجل وبلا دراسة: يخلط بين المضمون "البيدوفيليا"و"البورنوغرافيا" ويتناول الارهاب في بند واحد، ويتكلم عن "محتوى حقود بشكل ظاهر على الانترنت"..

هذا الاستخفاف هو تعبير صارخ عما اعتادت السلطة الفرنسية على ممارسته منذ نجاح ماكرون في الانتخابات ثم حصول تياره على اغلبية كبيرة في البرلمان.

وقد ساندت ألمانيا مشروع القانون الفرنسي الذي كان محاولة ايضاً لفرض واقع حال على نقاشات بالصدد دائرة على مستوى الاتحاد الأوروبي ولم تحسم بعد.

يحدث ذلك في ظل ظروف حادة: الموجة العارمة التي ولدت من الاحتجاج على مقتل المواطن الامريكي الاسود جورج فلويد، والتي حملت مؤخراً مجلس ولاية سان فرنسيسكو نفسه على اتخاذ قرار بازالة تمثال المستكشف الايطالي كريستوفر كولومبوس، وهو الذي تحول من "بطل"مبجل في كتب التاريخ الى "مدان" باعتبار ما يرمز اليه.

واتجاه نتنياهو لضم اجزاء من الضفة الغربية وغور الاردن الى اسرائيل في مخالفة صريحة للقانون الدولي، وعدم اكتراثه بالآراء الرسمية لحكومات في أنحاء العالم وللأمم المتحدة، وهي كلها مناهضة لهذه الخطوة، طالما أن الرئيس الامريكي يؤيدها!

مبروك والى مزيد من المقاومة، فلا خيار آخر لو اردنا عدم الخضوع للبربرية.

* نهلة الشهال كاتبة وناشطة لبنانية رئيسة تحرير "السفير العربي".

المصدر | السفير العربي

  كلمات مفتاحية