الكرملين وبولتون و«ليلة عربدة» إسرائيل في أجواء سورية

ما هو الموقف الفعلي لروسيا من الوجود الإيراني (والحليف) في سوريا؟

إن نجحت إسرائيل في إخراج إيران كان به وإن فشلت فتكون موسكو قد بعثت برسائل «حسن النية» إلى تل أبيب وواشنطن.

أجواء سورية مغطاة بالكامل برادارات روسية محكمة فلا يطير شيء دون أن ترصده «حميميم» ويشتعل أضواء حمراء بغرفة عمليات موسكو.

*     *     *

موجة من الضربات الجوية الإسرائيلية المتزامنة طاولت أهدافاً سورية (وحليفة) موزعة على امتداد الخريطة السورية: من السويداء إلى دير الزور مروراً بالسلمية وجبلة، بهذا المعنى، يبدو العدوان الإسرائيلي الأخير غير مسبوق في شدته وكثافته...

والملاحظ أنه في كل مرة تنطلق فيها الطائرات أو الصواريخ الإسرائيلية صوب سوريا، يجري الحديث عن استهداف وحدات إيرانية وأخرى تابعة لحزب الله، هذه المرة، ليست استثناءً كذلك.

ما نحن بصدده، أن ليلة «العربدة» الإسرائيلية في الأجواء السورية، ما كان لها أن تأتي على هذه الصورة والشاكلة من دون علم موسكو، حتى لا نقول من دون موافقتها...

فالأجواء السورية مغطاة بالكامل بشبكة رادارات روسية محكمة، لا يطير طائر من دون أن ترصده «حميميم» ومن دون أن تشتعل الأضواء الحمراء في غرفة العمليات في موسكو...الأمر الذي يعيدنا إلى النقاش القديم – الجديد: ما هو الموقف الفعلي لروسيا من الوجود الإيراني (والحليف) في سوريا؟

خلال العامين الفائتين، جادل كاتب هذه السطور بفرضية لم يكن سهلاً على «محور المقاومة» القبول بها أو ابتلاعها، مفادها: إن نظرة موسكو إلى الدور الإيراني في سوريا «تكتيكية» في جوهرها، «استخدامية» في وظيفتها!

فحين كان ينتظرها الكثير من «المعارك البرية» لطرد المعارضات المسلحة والمنظمات الإرهابية كان الدور الإيراني (والحليف) مطلوباً ومرحباً به، وحين وضعت المعارك الكبرى أوزارها بعد سيطرة النظام على أزيد من 70 بالمئة من مساحة سوريا، تراجعت أهمية الدور الإيراني (والحليف).

ولا سيما بعد أن أعلنت موسكو انتهاء الحرب في سوريا، تاركة مصير الجزيرة وشرق الفرات لتسويات مع واشنطن، وإدلب وشمالي غرب سوريا لمقايضات مع تركيا...

لا مطرح للحسم العسكري لمصير هذه المناطق من وجهة نظر الكرملين، المفاوضات والتسويات هي طريق استعادتها في إطار حل سياسي شامل للأزمة السورية، ولا رغبة لموسكو من أي نوع، بالمقامرة بصدام مباشر، لا مع واشنطن ولا مع أنقرة.

أما «مقاومة العدو الصهيوني»، فهي مفردات لا أثر لها في القاموس السياسي الروسي، فما تراه طهران «شيطاناً أصغر» وتراه دمشق والضاحية «عدواً وجودياً»، تراه موسكو صديقاً ومشروع حليف!

ولديها معه شبكة متشعبة من العلاقات والمصالح، ومن يُحصي عدد القمم التي عقدها نتنياهو مع بوتين يرى أنها تفوق عدد القمم التي عقدها مع ترامب، وفي هذا دلالة على ما نريد قوله.

ازددت يقيناً بصحة المقاربة التي تناولت فيها الموقف الروسي من الوجود الإيراني في سوريا، وأنا أقرأ مقتطفات من كتاب جون بولتون الأخير، فهو أكد أسوأ كوابيس طهران ودمشق والضاحية:

بوتين (مثلنا) لا يرغب ببقاء إيران في سوريا، وحاجته لها استمدت من المعارك البرية التي خاضها دعماً لنظام الأسد، وكلما تراجعت هذه الحاجة، كلما كان الكرملين أكثر تعاوناً لإنهاء أو تقليص الوجود الإيراني في سوريا.

صمت الرادارات الروسية (أو بالأحرى عميت) عن رؤية الطائرات الإسرائيلية المستبيحة للأجواء السورية طولاً وعرضاً، لا تفسير له غير ذلك... روسيا لم تعد راغبة بالوجود الإيراني في سوريا، ولا هي بحاجة إليه.

وهي إن كانت غير قادرة على استئصاله أو تقليصه، فلا بأس من تسهيل مهمة «الصديق الإسرائيلي»، حتى وإن تطلب ذلك إعطاء أذن من طين وأخرى من عجين، لعربدة طائراته قي السماوات السورية...

فإن نجحت إسرائيل في إحراج إيران وإخراجها كان به، وإن فشلت، فأقله تكون موسكو قد بعثت برسائل «حسن النية» إلى كل من تل أبيب وواشنطن، علّها تكفي لتدوير بعض الزوايا الحادة في علاقات موسكو بواشنطن.

* عريب الرنتاوي كاتب صحفي أردني

المصدر | الدستور الأردنية