ترامب فريسة لجون بولتون

لن يضر الكتاب ترامب فكل ما جاء فيه معروف ومقبول من قواعده الجمهوريين!

يحسب لترامب كرهه الكبير للحروب ولتوريط بلاده في نزاعات عسكرية لا تنتهى خاصة في الشرق الأوسط.

لا يلومنّ ترامب إلا نفسه على إحياء شخص وتيار متطرفين تسببا بكوارث لا تزال تعانى منها أمريكا ودول أخرى.

«رجل توسل إلىَّ لأعطيه عملا لا يحتاج لموافقة مجلس الشيوخ ومنحته العمل رغم أن كثيرين قالوا لي لا تفعل ذلك».

*     *     *

قليلون هم من استطاعوا الخروج بمكاسب من علاقتهم السياسية مع الرئيس دونالد ترامب، وعلى رأس هؤلاء مستشاره السابق للأمن القومى، جون بولتون، الذى أصبح حديث العالم خلال الأيام الماضية.

أتابع بولتون منذ أكثر من عشرين عاما، فقد كان دائما أحد أعضاء فريق من الصقور المتشددين الذين لا يكنون إلا الشر لكل ما هو عربى أو مسلم، ولا يبالى بقضايا الحريات أو حقوق الإنسان إلا فى الدول المعادية للولايات المتحدة.

كان بولتون أحد فريق المحافظين الجدد، ولم يكن أكثرهم أهمية إذ كان اسمه يتردد بعد ديك تشينى ودونالد رامسفيلد وبول ولفويتز وريتشارد بيرل، وآخرين من مدرسة سيطرت على الإدارات الجمهورية خلال العقد الأول من القرن الحالي.

إذ سمحت هجمات 11 سبتمبر بإفساح الطريق لأفكارهم المتطرفة لتلقى قبولا ودعما من رئيس غير متفهم لقضايا السياسة الخارجية اسمه جورج بوش الابن.

دعم بولتون ورفاقه أجندة الحرب الأمريكية ضد الإرهاب، وهندسوا لغزو أفغانستان وغزو العراق مما أدى لوفاة مئات الآلاف من الأبرياء فى الدولتين، وتدميرهما، إضافة إلى مقتل آلاف الجنود الأمريكيين.

ولم يحارب بولتون فى حياته، وليس له أولاد خدموا فى الجيش الأمريكى، مثله مثل كل صقور المحافظين الجدد ممن أرادوا حروبا لا يشاركون أو يعانون منها على الصعيد الشخصى.

توارى تيار المحافظين الجدد بانتخاب باراك أوباما رئيسا لفترتين (2008-2016)، ثم لم يلتفت إليهم الرئيس دونالد ترامب ذلك المقبل من نيويورك والغريب على العاصمة واشنطن، والذى يسخر دوما من حروب أمريكا فى المنطقة حيث لم تعرف واشنطن طعم الانتصار رغم أنها القوة الأكبر فى عالم اليوم، ولا يرجع منها الجنود الأمريكيون سريعا لعائلاتهم.

ورط بولتون وفريقه أمريكا فى حربين مكلفتين امتدا لعقدين من الزمان ولم تنسحب القوات الأمريكية بعد من أفغانستان ولا العراق، ولا يكلون من العمل على نفس المنوال مع إيران.

لم ينجح بولتون ورفاقه فى توريط بلادهم بعد فى حرب عسكرية مع إيران، وقبل بدئه العمل مع ترامب، كتب بولتون مطالبا بقصف طهران وإسقاط النظام الإيرانى، ولم يخجل بولتون بل استمر فى سعيه لتدمير النظام الإيرانى.

لكن ترامب وقف له بالمرصاد حتى بعد توتر غير مسبوق فى الخليج وقيام طهران بإسقاط طائرة أمريكية مسيرة متقدمة وتدمير بنية تحتية مهمة لشركة أرامكو السعودية.

*     *     *

يمكن انتقاد ترامب لأسباب وصفات كثيرة يتمتع بها منها كونه رئيسا عنصريا كارها للإسلام وللمهاجرين وللسود حتى الأمريكيين منهم، يمكن انتقاد دعمه غير المفهوم لعدوانية إسرائيل وسياساتها التوسعية التى كانت تمثل خطوطا حمراء لصانعى السياسة التقليديين فى واشنطن، ويمكن انتقاد ترامب لسوء أخلاقه وكذبه ودعمه الديكتاتوريات حول العالم.

لكن يحسب لترامب كرهه الكبير للحروب ولتوريط بلاده فى نزاعات عسكرية لا تنتهى خاصة فى الشرق الأوسط.

أخطأ بل أجرم ترامب فى منح حياة جديدة لجون بولتون مستشارا للأمن القومى، وهو المنصب الرفيع الذى يملك أذن وعقل الرئيس فى قضايا السياسة الخارجية، ويزيد الأمر خطورة كون ترامب غير فاهم لتعقيدات هذه القضايا وليس له خبرة جادة بها.

بولتون البالغ 71 عاما، مثله مثل فريقه، كانت حياتهم السياسية من الماضى وكانوا ولا يزالون لا يملكون إلا تاريخا مشينا، انضم بعضهم لمراكز أبحاث يمينية دون أن يحضروا يوميا للعمل كنوع من التكريم والثناء على ما قاموا به.

بولتون انضم لمعهد أميريكان أنتربرايس، وكان ضيفا دائما على شاشة شبكة فوكس الإخبارية، ولم يحلم أن يتم استدعاؤه لشغل مثل هذا المنصب الكبير.

لم أفهم لماذا أتى ترامب ببولتون، بولتون جاء من الماضى لهذا المنصب الرفيع الذى لم يحصل عليه فى ريعان قوته وقوة تياره المتطرف أثناء حكم جورج بوش الابن.

لم يحلم بولتون بمنصب إذ إنه أكثر المحافظين الجدد كرها من جانب الصحافة والكونغرس ودوائر واشنطن التقليدية نظرا لتطرفه الشديد ورغبته العلنية فى قصف إيران وكوريا الشمالية وفنزويلا لإسقاط نظمها الحاكمة غير مكترث بأى ضحايا أو حسابات إنسانية.

بولتون سياسى لا يعترف بالعمل الدبلوماسى لحل القضايا والخلافات، جاء بولتون ليس خدمة لبلاده أو خدمة لرئيس يقدره، بل جاء ساعيا لبعث الحياة فى شخص وتيار عفا عليه الزمن يرغب فى شن الحروب هنا وهناك.

ونجح بولتون فى كسب ثقة ترامب، ونجح فى اختراق بيت أبيض مهتز برئيس عديم الخبرة ولا يكترث إلا بإعادة انتخابه، ويهتم بألا يتم سجنه أو سجن أولاده فى المستقبل بسبب مخالفات مالية تراكمت على مدى السنين.

*     *     *

حصل بولتون على مليونى دولار عند توقيع عقد كتابه «الغرفة حيث حدث ذلك.. مذكرات من داخل البيت الأبيض» والتى توثق لما شهده خلال عمله 17 شهرا فى البيت الأبيض.

ولا يضيف الكتاب أى جديد يختلف عن كتب سابقة صدرت وهاجمت ترامب وجهله بقضايا العالم، كتب كشفت كذب ترامب الممنهج وعنصريته وفساده.

هاجم ترامب مستشاره السابق بقوة بعد إعلانه إصدار مذكراته، متهما إياه بنكران الجميل وأكد أنه «توسل إليه» ليعطيه عملا، ودفع ذلك أعداء ترامب من الديمقراطيين وغيرهم للترويج للكتاب رغم عدم تعاون بولتون فى تحقيقات روسيا أو أوكرانيا ورفضه تقديم الشهادة أمام الكونغرس.

وكتب ترامب فى تغريدة عن بولتون: «رجل توسل إلىَّ لأعطيه عملا لا يحتاج لموافقة مجلس الشيوخ، ومنحته العمل رغم أن كثيرين قالوا لى لا تفعل ذلك».

وتابع ترامب «ارتكب بولتون هفوات كثيرة، ثم طرد، لأنه وبصراحة، لو استمعت إليه لكنا الآن فى الحرب العالمية السادسة، ثم يذهب ليكتب كتابا كاذبا وشريرا. كلها معلومات متعلقة بالأمن القومى. من يفعل ذلك؟».

لن يضر الكتاب بترامب، فكل ما جاء فيه معروف ومقبول من قواعده الجمهوريين، ولا يجب أن يلوم ترامب إلا نفسه على إعادة الحياة لشخص وتيار متطرفين تسببا فى كوارث لا تزال تعانى منها أمريكا ودول أخرى.

* محمد المنشاوي كاتب صحفي فى الشؤون الأمريكية من واشنطن.

المصدر | الشروق المصرية