الجمعة 26 يونيو 2020 03:18 م

نقص السيادة وفوضى الأداء

السيادة لا تتجزأ فأي تنازل سيؤدي لمجموعة من التنازلات حتى تفقد الدولة قرارها المستقل وتصبح مرتهنة للآخر.

إذا السيادة ناقصة، فكيف نفهم الديمقراطية في دول تتعرض للاختراق أو دول تخترق سيادة الدول الأخرى.

أول مظاهر السيادة إنتاجية تحقق اكتفاء ذاتي فدول كثيرة تعيش على منح وعطايا الآخرين فهل هنالك نقص سيادة أكثر من هذا؟

السيادة ليست كلمة عابرة أو شرطا شكليا لتحقيق استقلال القرار السياسي والاقتصادي بل هي ممارسة مهمة وضرورية لتكتسب الدول صفة «المستقلة».

*     *     *

السيادة ليست كلمة عابرة وشرطاً كلامياً لتحقيق التحكم في القرار السياسي والاقتصادي، والحدود الجوية والبحرية والبرية والثروات الطبيعية، بل هي ممارسة مهمة وضرورية لتكتسب الدول صفة «المستقلة».

والسيادة لا تتجزأ، لأن أي تنازل سيؤدي إلى مجموعة من التنازلات حتى تفقد الدولة قرارها المستقل وتصبح مرتهنة للآخر.

أصحاب نظرية المؤامرة يشككون في وجود الدولة المستقلة بالكامل ، وأصحاب النظرية ذاتها يقولون أيضاً إن عدداً من المسؤولين الكبار في الدول الكبرى شركاء في هذه الحكومة الخفية، وهم اليد المنفذة والآمرة بالتغيير والتثبيت والعزل والتعديل.

ولا يستبعدون أيضاً وجود شركاء مهمّين لهم في الدول الصغيرة التي تفضح نفسها بنفسها في مناسبات كثيرة، وعلى سبيل المثال، يمر تصريح مرور الكرام ولا ينتبه إليه أحد، عن توافق ما محلياً وخارجياً على رئيس الوزراء أو الرئيس الفلاني.

ويفترض الناس حسن النيّة في هذا التصريح ويعتقدون أن دولتهم مهمة إقليمياً ودولياً، ولا يتخيلون أن بعض الدول الإقليمية أو العالمية تستطيع فرض شخصية هنا أو مسؤول هناك، ويكثر الحديث عن أن الزعيم الفلاني محسوب على الدولة الفلانية ويتلقى دعماً منها، أو أن الحزب الفلاني مدعوم من الدولة الفلانية وتملي عليه سياساته وقراراته.

يلاحظ هذه التصريحات تتكرر في دولتين هما العراق ولبنان، وهما الدولتان الأكثر تمزّقاً والأكثر تعددية في الولاءات والانتماءات، ولاءات طائفية وإقليمية وعالمية.

وسمعت وقرأت معلومات في أكثر من وسيلة إعلامية عن السلطة الوطنية الفلسطينية، وقيام جهات معينة باختيار الشخصيات، وجاءت كونداليزا رايس وزيرة الخارجية في عهد الرئيس الأمريكي بوش الابن، لتؤكد في كتابها الصادر مؤخراً بعنوان «لا فخر أكثر من هذا.. ذكريات سنين حضوري بواشنطن» معلومات كثيرة.

وأشارت، كما تسرّب لوسائل الإعلام أن إدارة الرئيس بوش قررت عزل الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات واستبدال الرئيس الحالي محمود عباس، وكشفت كونداليزا أنها هي من اختارت عباس لأنه لا يستخدم كلمة «المقاومة» ويعتبرها إرهاباً، وقبِل إعادة بناء قوات الأمن الفلسطينية وفق الشروط الأمريكية و«الإسرائيلية» تحت إشراف الجنرال دايتون.

أما بالنسبة للعراق، فالحديث يدور عن دور إيران في تعيين رؤساء وزراء، وفي لبنان، وهو النموذج الأكثر وضوحاً في التبعية واختراق سيادته، يكون التركيز على التوافق الإقليمي والدولي على رئيس الوزراء أو رئيس الحكومة، ولعبت سوريا دوراً رئيسياً في فترة من الفترات في اختبار الرئاسات الثلاث، الدولة والحكومة ومجلس النواب.

أما الدور الإيراني في دعم حزب الله، فلا أحد ينفيه واعترف الحزب أكثر من مرة بذلك، وهناك أيضاً من تحدث عن دور أجنبي، أمريكي وبريطاني، في اختيار فلان من القادة!

وما يحدث الآن في سوريا من تدخل روسي وإيراني واضح في السياسات الرئيسية لأكبر دليل على ضعف السيادة على القرار الوطني، وهو ما يؤخر تحقيق مصالحة وطنية أو توقيع اتفاقية سلام بين القوى المتصارعة.

فإذا كانت السيادة ناقصة، كيف يريدوننا أن نفهم الديمقراطية في هذه الدول التي تتعرض للاختراق أو الدول التي تخترق سيادة الدول، لكننا نفهم، لماذا تعيش شعوب هذه الدول في فوضى وفقر كبيرين؟، ولماذا تسودها حالات عدم الاستقرار؟

هذه الدول المخترقة والخارقة لا تستتر في بلائها، ولا تحترم الشعوب، ولهذا، فإن تحقيق السلام في المنطقة، وتنفيذ البرامج التنموية لن ينجح في ظل غياب السيادة، لأنها لا تسيطر في الأساس على ثرواتها وإنتاجها.

وأول مظاهر السيادة هو الإنتاجية التي تحقق الاكتفاء الذاتي، لهذا فإن هذه الدول المذكورة وغيرها الكثيرة تعيش على منح وعطايا الآخرين، فهل هنالك نقص سيادة أكثر من هذا؟

* د. عبد الله السوييجي كاتب وأكاديمي من إمارة الشارقة

المصدر | الخليج - الشارقة