الثلاثاء 30 يونيو 2020 07:02 ص

تضارب مصالح في «الاحتياطي الفيدرالي»

تُطلق على صناديق الأسهم الخاصة كمجموعة «كارلايل» تسميات موحية: «تجار ديون»، «عقبان»، «غزاة شركات»!

تحفل الصحافة الأمريكية بقصص سلسلة الإفلاسات المريبة التي تعلنها مجموعة «كارلايل» لعدد من شركاتها المتعثرة.

كشف عن علاقة مشتركة مثيرة لرئيس البنك المركزي ونائبه مع "بلاكروك" عملاق استثمارات دولية يدير لهما ملايين الدولارات.

*     *     *

كان رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، ونائبه راندال كوارلز، وهو المسؤول عن الإشراف على أكبر بنوك «وول ستريت»، يعملان لدى مجموعة «كارلايل».

في كواليس قطاع المال والأعمال في الولايات المتحدة، يدور حديث عن تورط رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، وعضو مجلس الإدارة ونائب الرئيس للإشراف على مجلس المحافظين الاتحادي منذ أكتوبر 2017 راندال كوارلز، في ما تشخصه قواعد الحوكمة، بتضارب المصالح.

الحديث يدور عن أن الرجلين اللذين وُضعت تحت أيديهما حزمة صندوق الإنقاذ المالي التي يصل إجماليها إلى 4.54 تريليون دولار، كانا قد جمعا ثروتهما الشخصية من إحدى أكبر شركات الأسهم الخاصة في العالم، وهي مجموعة كارلايل.

وهما الآن يشرفان على استخدام 454 مليار دولار ستتم جبايتها من دافعي الضرائب الأمريكيين، لإطفاء خسائر بنوك وشركات «وول ستريت» ومن ضمنها مجموعة كارلايل.

فقد كان رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول شريكاً في مجموعة كارلايل خلال الفترة من 1997 إلى 2005. أما راندل كوارلز، الرجل المسؤول عن الإشراف على أكبر بنوك «وول ستريت» الحافلة بالخروق القانونية، والذي يشغل منصب نائب رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي للإشراف، فقد كان يعمل مديراً تنفيذياً في «كارلايل» خلال الفترة من عام 2007 إلى 2013.

جدير بالذكر أنه تُطلق على صناديق (شركات) الأسهم الخاصة مثل مجموعة «كارلايل»، تسميات موحية مثل «تجار الديون»، أو «العقبان»، أو «غزاة الشركات»!

وذلك بسبب طبيعة نشاطها المتمثل في شراء الشركات بعد إغراق ميزانياتها العمومية في الديون، وبيع الأصول عالية القيمة مثل العقارات، واستدرار أرباح ضخمة لشركاء صناديق الأسهم الخاصة من عمليات محاسبية تتم فيها مناقلة بنود الميزانية على حساب النفقات الجارية.

لاسيما أن بنود سُلّم الأجور والمرتبات، تسمح في كثير من الأحيان، بانهيار الشركة وإحالتها للإفلاس وتسريح جزء من العاملين فيها، أو حتى تصفيتها بالكامل إذا تطلب الأمر ذلك، لتأتي بعد ذلك خطوة إعادة التملك.

وتحفل الصحافة الأمريكية بقصص سلسلة الإفلاسات المريبة التي تعلنها مجموعة «كارلايل» لعدد من شركاتها المتعثرة، ومن ذلك ما سبق وكشفت عنه وكالة أنباء «رويترز» في يناير 2018، بشأن فساد إدارة استثماراتها في شركة «فيلاديلفيا إنرجي سولوشينز» التي أعلنت إفلاسها، وما كشفت عنه واشنطن بوست في نوفمبر 2018، بشأن كيفية إدارة المجموعة لاستثماراتها في شركة «إتش سي آر مانوركير».

وتُشبِّه الصحافة الأمريكية مجموعة «كارلايل» ببنك الاستثمار الشهير «بير ستيرنز» الذي انهار في السادس عشر من مارس 2008، تحت وطأة الديون المسمومة؛ أي الديون المشكوك في تحصيلها وسبقه بنك «ليمان براذرز» لإعلان إفلاسه (15 سبتمبر 2008).

وقد كشفت الصحافة النقاب عن وجود علاقة مشتركة أخرى مثيرة لكل من جيروم باول وراندال كوارلز مع عملاق الاستثمارات الدولية «بلاكروك»، الذي يدير لهما ملايين الدولارات.

وبحسب نموذج الإفصاح المالي لجيروم باول لعام 2019، فإن لديه 11.6 مليون دولار في «آي شيرز» iShares، وهي شركة متفرعة من «بلاكروك» (تعتبر شركة عالمية رائدة في الصناديق المتداولة في البورصات)، ولديه استثمارات أخرى في «بلاكروك».

ولدى كوارلز استثمارات بقيمة 19.6 مليون دولار في «آي شيرز» وفقاً لنموذج الإفصاح المالي الخاص به المؤرخ في 21 يوليو 2019، وجميعها مصنفة ضمن استثمارات الأسهم الممتازة؛ أي التي تحظى بأفضلية في أولوية توزيع الأرباح، وكذلك في حالة الإفلاس؛ إذ تحظى هنا أيضاً بأفضلية مقارنة بالأسهم العادية من حيث حقوقها في أرباح الشركة وأصولها.

وكانت وزارة الخزانة الأمريكية قد نجحت في إقناع الكونغرس بتخصيص 454 مليار دولار من أموال دافعي الضرائب من حزمة قانون التحفيز الأخير المعروف باسم قانون CARES، لإطفاء الخسائر في صندوق إنقاذ شركات «وول ستريت».

وسيقوم هذا الصندوق، كما فعلت حزم الإنقاذ المالي في أزمة 2008، بشراء ديون مسمومة من «وول ستريت»، بعد أن يقوم أصحابها بـ«تجميلها» قبل عرضها للبيع. وهو ما كان أقر به حرفياً رئيس الاحتياطي الفيدرالي في مقابلة أجرتها معه محطة «إن بي سي» في 26 مارس 2020.

لذا فإنه إذا كان باول وكوارلز لا يزالان يحتفظان باستثمارات في «بلاك روك»، فإن هذا سيُعد بالتأكيد تضارباً كبيراً في المصالح؛ ذلك أن الرجلين سمحا لمجلس الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك بإنشاء مرفقين لإنقاذ سندات الشركات بقيمة إجمالية تبلغ 750 مليار دولار، وسيستخدمان شركة «بلاك روك» كمدير لاستثمار هذا المبلغ.

ولسوف تستخدم 75 مليار دولار من حصيلة دافعي الضرائب التي أنشأها قانون «كيرز» لتمويل البرنامجين المعروفين باسم «تسهيل ائتمان الشركات في السوق الأساسي»، و«تسهيلات ائتمان الشركات في السوق الثانوية»، لتعويض الخسائر. وفي حين رُخِّص للمرفقين الاستثماريين، بالقيام بشراء الأصول عالية التصنيف.

إضافة إلى السندات التي تحمل تصنيف «أصول نفايات» (Junk assets)، شريطة أن تكون درجتها الاستثمارية عالية في 22 مارس 2020، فإن شركة «بلاكروك» ستُمنح امتياز شراء صناديقها المتداولة الخاصة بها، بما في ذلك تلك التي تمتلك سندات مصنفة كنفايات.

والحال أنه لم يسبق للاحتياطي الفيدرالي شراء ثلاثة أرباع تريليون دولار من سندات الشركات. إنه لأمر غير مسبوق أن يقوم بشراء سندات «نفايات» (Junk bonds)، وأن يسمح لـ«بلاكروك» التي ستستفيد من الصفقات، بإدارة البرامج.

والأكثر إثارة أنه عندما يحدث شيء غير مسبوق، وبرعاية رجلين مؤتمنين حكومياً وبرلمانياً على سلامة النظام النقدي والمالي، فيما هما ينحدران من «عائلة كارلايل»، تصبح جلسات الاستماع في الكونغرس بهذا الخصوص، مجرد دردشة لا تثمر شيئاً.

* د. محمد الصياد كاتب صحفي بحريني

المصدر | الخليج - الشارقة