الخميس 2 يوليو 2020 01:57 م

المبادئ تحدد الأشياء

هل هناك أمل في أن يوجد من يحمل ذلك المشروع ويناضل من أجل نشره وتبنيه؟

لا مكان للوجود الاستعماري والصهيوني على أرض العرب و لا مكان لظلم وتهميش لأي من مكونات الأمة.

رغم كل الانتكاسات والأخطاء قرر الشباب التعايش مع قدرهم الداعي إلى تغيير الوضع البائس الذي تعيشه أمتهم.

ما فعله شباب الأمة من حراكات مبهرة وتضحيات، يؤكد وجود إرادة التغيير وحتى التضحية بالنفس من أجل تحقيق تلك الإدارة.

أغلبية أنظمة الحكم ورجالاتها غير معنية إلا بصراعاتها وطموحاتها وارتهاناتها وليس بينها مؤهل لحمل مسؤوليات المشروع.

*     *     *

منذ حوالي شهر واحد كتبت مقالا تحت عنوان: أسئلة لمن يريد قيادة الأمة. لكن أخوانا أعزاء في مصر الحبيبة أرادوه أن يكون مدخلا لحوار متفاعل ثري طرح في جريدة «الشروق» المصرية تحت عنوان: حوار مفتوح ـ من يقود الأمة نحو عمل عربي مشترك؟ وككل الحوارات تباينت واختلفت الآراء حول طبيعة الموضوع المطروح، وبالتالي حول الاستنتاجات والمقترحات.

مقالي الذي نشرته آنذاك انطلق من قاعدة فلسفية تقول، بأن المبادئ هي التي تتحدد بها الأشياء في تركيبتها وفي وسائلها. وهي قاعدة أثبتت أحداث التاريخ البشري الكبرى أهميتها. فمثلا، كان للمبادئ والقيم الإسلامية، الفضل الأكبر في تحفيز ودفع العرب الممزقين المتناحرين، نحو بناء ونشر حضارة عربية إسلامية بالغة الحيوية، في نتاجاتها المادية والمعنوية.

وبالمثل كان للأفكار الفلسفية والمبادئ السياسية الإنسانية، التي طرحها كبار المفكرين والكتاب الفرنسيين والأوروبيين، الفضل الأعظم في تفجير الثورة الفرنسية، وفي تحديد مكوناتها وأهدافها ومسيرتها التاريخية، إلى يومنا هذا.

ولذلك، فعندما طرح البعض أنفسهم، أو طرحتهم جهات خارجية لأسباب تخصها، مرشحين لقيادة الأمة، وذلك من أجل إخراجها من وضعها المعلول البائس المجنون، الذي تعيشه حاليا، كان لا بد من طرح أسئلة مفصلية جادة في أمور السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة، على أولئك المرشحين لمعرفة المنطلقات والأسس والمبادئ التي سيحتكم إليها من يتصدى لمهمة القيادة.

الأسئلة لم تكن معنية بتسمية من هو مؤهل للقيام بذلك، فالوضع العربي المستباح الممزق المتصارع، لم يبق فيه مؤهل بديهي جاهز نتوجه إليه. وبصراحة، فإن المتأهل لا يكفيه أن يتمتع بغنى اقتصاد ريعي مظهري، خصوصا إذا كان ذلك الاقتصاد تحت هيمنة النظام الرأسمالي النيوليبرالي العولمي.

ولا يكفيه أن تكون لديه ماكنة إعلام وعلاقات عامة، تنسج له أحلاما لا تمت بصلة لحقيقة الواقع العربي كله، ولا يكفيه أن ترشحه صراعات المسرح الدولي، لأسباب تخصها وتخدم أهدافها الاستراتيجية.

المؤهل يحتاج أن يلتزم بمشروع إصلاحي وتغييري جذري يخرج الأمة، كل الأمة، من تخلفها التاريخي الطويل، من هنا أهمية الحديث عن المبادئ والأهداف التي ستحكم ذلك المشروع والتي، بعد صوغها والاتفاق عليها، ستشير إلى من هو المؤهل.

فاذا كانت المبادئ غامضة، أو سطحية أو مظهرية كلامية، أو تختفي وراء أقنعة، فإن الحديث عن مشروع قومي إنقاذي، تحمله وتدعو إليه وتناضل من أجله هذه الجهة العربية أو تلك، يصبح بلا معنى. من هنا طرحنا الأسئلة التي نعتقد أنها ستوصل، إن أجيبعليها بصدق وموضوعية والتزام قومي، إلى تبني الآتي:

1 ـ أن يكون الهدف النهائي هو وحدة هذه الأمة في كيان أو نظام سياسي موحد يتفق عليه، حتى لو كان ذلك تدريجيا، يبدأ بالتضامن والتنسيق والمؤسسات المشتركة، وينبني على أسس علمية واقعية. ولنا في تجارب الآخرين، من مثل الاتحاد الأوروبي، أو الاتحاد الماليزي، أو الفيدرالية الأمريكية، أمثلة نحتذي نجاحاتها.

2 ـ أن تراعي تلك الخطوات التوحيدية الانتقال التدريجي المتنامي إلى حياة سياسية تمارس المتطلبات الديمقراطية العادلة بكل تجلياتها الدستورية والقانونية والمؤسساتية ونظام الحكم، التي تؤدي إلى الحرية وتكافؤ الفرص والمواطنة المتساوية، وترفض الانحيازات الطائفية والقبلية في الحياة السياسية.

3 ـ أن يلتزم المشروع ببناء تنمية إنسانية شاملة ومستمرة، بما فيها اقتصاد إنتاجي معرفي يراعي عدالة توزيع الثروة، والتزامات دولة الرفاهية الاجتماعية، وحقوق الفقراء والمهمشين، ورفض إملاءات الهيمنة العولمية الرأسمالية النيوليبرالية المتوحشة.

4 ـ الانخراط في عملية كبرى لتجديد الثقافة العربية وتخليصها من كل ما علق بها من تخلف في الفكر والمنهجية، بما في ذلك الدفع لبناء حداثة عربية ذاتية عقلانية إنسانية أخلاقية، تتفاعل مع حداثات الآخرين بندية وتسامح، وتساهم مع الآخرين في تطوير حضارة العصر وإغنائها.

تبني تلك التوجهات الوجودية والتقدمية هو الضمان، لأن لا يكون للوجود الاستعماري والصهيوني مكان على أرض العرب، ولأن لا يكون هناك ظلم وتهميش، لأي مكون من مكونات الأمة.

هل هناك أمل في أن يوجد من يحمل ذلك المشروع ويناضل من أجل نشره وتبنيه؟

نعم، هناك أمل كبير في شباب هذه الأمة. إن ما فعلوه من حراكات مبهرة، وما قدموه ويقدمونه من تضحيات، يؤكد على وجود إرادة التغيير، وحتى التضحية بالنفس من أجل تحقيق تلك الإدارة.

من يتابع أفكارهم وشعاراتهم وأفعالهم يعرف أنهم، على الرغم من كل الانتكاسات وكل الأخطاء، قد قرروا التعايش مع قدرهم الداعي إلى تغيير الوضع البائس الذي تعيشه أمتهم. دعنا من أنظمة الحكم ورجالاتها، فأغلبيتهم غير معنية إلا بصراعاتها وطموحاتها وارتهاناتها. ليس بينها، مع الأسف، من هو مؤهل لحمل مسؤوليات ذلك المشروع، والأمل هو في وعي المجتمع المدني العربي.

* د. علي محمد فخرو كاتب ومفكر بحريني

المصدر | القدس العربي