الخميس 2 يوليو 2020 04:04 م

كنت هناك.. في لبنان

اللبناني وريث العبقرية الفينيقية متردد وغاضب ومتألم. وأنا غاضب مثله.

غادرت لبنان رافضا الأسطورة ومتوقعا كارثة وحاملا أسئلة لم تجد إجابات شافية.

اللبناني أدار بنفسه وأحياناً منفرداً معارك لتحرير فلسطين قبل أن يتدخل بالفوضى والتهريج والقمع من بدد جهد أمة ويعمل ليخنق أحلامها.

مواقع الفتنة والجمال وراحة النفس والبدن راحت أو تغيرت فندق البريستول صفّى أعماله، والحمرا استسلمت ليد تقبح ولا تجمل وتضيق السبل باللبناني حتى الهجرة.

*     *     *

صحيح أنه لم تعد هناك دولة عربية تستقبلك أيها المواطن العربي بابتسامة، ولكل منها أسبابها وتبريراتها. صحيح أيضاً أن زواراً كثيرين من العرب لبلاد عربية قضوا أيامهم الأخيرة فيها يرددون مع الفنانة الرائعة فيروز أغنية تغرد في مطلعها بالكلمات التالية «أنا صار لازم ودعكن».

كنت أحد هؤلاء الزوار وكان لبنان البلد العربي الذي فشل في إقناعي بتمديد إقامتي. تغير لبنان أم تغيرت أنا أو تغيرنا كلانا حتى ضاقت بنا فسحة اللقاء وغابت كل المتع والفرص وحل الضيق والقلق محل السعادة والبهجة.

كنت أسمح لنفسي ببعض الغضب، أمارسه على استحياء الضيف الواثق من حب مضيفه وكرمه. لا أظن أنني في تلك الشهور الأخيرة من العام الماضي تركت لبنانياً أعرفه إلا واستفسرت منه عن دوافع ما يفعل.

بعض هذا الذي يفعله كان غير مألوف بالنسبة لي، أنا الضيف الذي يعرف عن لبنان كل ما يستحق أن يعرفه محب عن حبيبته. كان لبنان يتدهور معنوياً قبل أن يصاب بعجز مادي خطر.

لن أحمل لبنان فوق ما يحتمل، ولبنان بالفعل لم يعد يحتمل. لكن يجب أن أعترف بأنني خرجت من لبنان قبل انتهاء زيارتي بأيام عدة، وأنا أجاهر بالغضب من شعب يترك قادته يقودون بلادهم إلى جحيم مؤكد، ومن طبقة سياسية لا تبالي، أو لعلها حسب ما حللت، مطمئنة إلى أسطورة أن لبنان قارب في الأصل مصمم ضد الغرق!

طوائفه عمدان راسخة تنحني للعواصف ولا تنكسر، وثرواته مخبأة بعناية فائقة في مغارات نائية لن تفتح أبوابها يوم مجاعة لا قدر الله إلا لقلة من الناس تحفظ كلمة السر.

غادرت لبنان رافضاً الأسطورة ومتوقعاً كارثة وحاملاً أسئلة لم تجد- بعد انقضاء كل الشهور الماضية وعناء التقصي- إجابات شافية.

أزعم، وبفخر، أنني تعرفت إلى امتداد رحلتي الفكرية المزودة بروابط نسب على نساء ورجال في لبنان وضعتهم دائماً في مصاف أرقى العقول التي تعاملت معها خلال الرحلة الأخرى الأشمل، رحلة الدوران حول العالم.

لا خوف عليهم من هكذا أحكام أن تصيبهم غطرسة وغرور فلديهم ما يكفي وزاد على الرغم من تفاقم الكارثة الاقتصادية التي حطت بلبنان واختلطت بكوارث أخرى سياسية واجتماعية.

تغير اللبنانيون، وبخاصة هؤلاء الذين يتصدرون مهنة الصراع، أم تغيرت ظروف ومواقع وتوازنات فرضت التغير على اللبنانيين، وبخاصة هذا الصنف. المثير في الموقف الراهن أن قطاعات واسعة أو مؤثرة في الشريحة الأعلى من الطبقة السياسية آلت على نفسها رفض التغيير.

قرروا أن يختاروا من أساليب الصراع الأهلي أو مع الخارج ومن أدواته ما يناسب الظروف، لكن لن يتوقف الصراع ولن تهدأ النفوس. اجتمع أهل الإقليم العربي مع أغلب قادة العالم على امتداد فترة انتفاضة السابع عشر من أكتوبر/تشرين الأول 2019 للضغط على الطبقة السياسية اللبنانية لتتغير ولم تتغير.

سألت: أهو العناد، والنية في الاستمرار، حتى آخر معدة خاوية في الطائفة؟ صديق مطلع ومعايش أجاب: نعم العناد موجود، لكن لا تنسى اليأس. اليائس وكل من عاش فترات البطون الخاوية لن يقدم على التغيير والتطوير. قلت اليائس من هذا النوع لا يستسلم وبالتالي لا تغيير بالرضا أو بالإجبار.

قال صديقي، أتفق معك من حيث المبدأ، لكنني أرى اليائس هذه المرة يستسلم ومستعد للتغيير أو على الأقل يتظاهر بالرغبة في التغيير. أنت يا صديقي غاضب لأنك رأيت اللبنانيين لا يتصرفون كما عودوك أن يتصرفوا. هم بالفعل يتغيرون وأنت غير مصدق.

سألت إن كان لبنان يتغير بتأثير تحولات، وليس فقط تغيرات، طرأت على أوضاع المنطقة وربما في العالم الأوسع. أجاب صديقي المطلع دوماً، فقال: دعنا نقارن التاريخ بعضه ببعضه ونحكم.

كان لبنان في العهود التي عرفته فيها عن قرب لذيذاً وممتعاً، أهم ساحة في الشرق الأوسط تدار فوقها أهم المعارك السياسية والإعلامية في الإقليم. كانت بيروت وجبال لبنان من المراكز الأهم في منظومة الجاسوسية العالمية.

أنا شخصياً عشت أكثر من صيف في قرية لا تبعد كيلومترات معدودة عن أكبر قاعدة أمريكية لتدريب المتخصصين في الشؤون العربية في قطاعات الدبلوماسية ووكالات الاستخبارات.

عشت في بيروت عندما كانت مصر تدير منظومتها الإعلامية الإقليمية من لبنان. هناك أدارت الدبلوماسية المصرية الصراع الدولي حول حلف بغداد. ولا أبالغ إن قلت إن الحلف سقط في بيروت ولحق في أعقاب سقوطه سقوط نظام الحكم في بغداد وبعده دخل الشرق الأوسط برمته عهداً مختلفاً.

من بيروت، كما أعلم، دارت معارك سياسية تاريخية لانتزاع سوريا أو حمايتها أو حصرها داخل حدود لا تتعداها. هناك في بيروت إرث عشرات المعارك السياسية.

كانت بحق الساحة الأشهر بين كل ساحات الصراع في المنطقة قبل أن تتعدد الساحات في كل أنحاء شمال إفريقيا وفي منطقة الخليج والقرن الإفريقي وفي اليمن وسوريا والعراق والسودان.

في وقت من الأوقات كان لبنان أحد أهم المراكز المصرفية في العالم وبالتأكيد أهمها في الشرق الأوسط. اليوم تقوم مراكز أهم كثيراً في دول عربية وغير عربية، وأشك في أنه سيكون في الإمكان استعادة المكانة التي كانت لبيروت كمركز مالي.

وخاصة بعد أن تولى اللبنانيون بأنفسهم تسديد ضربات قاتلة إلى مصرف لبنان المركزي وسياساته الاقتصادية والمالية. وفي وقت من الأوقات كانت بيروت مركزاً يقود أقوى وأهم منظومة إعلامية في المنطقة.

اللبناني أدار بنفسه وأحياناً منفرداً، معارك لتحرير فلسطين قبل أن يتدخل بالفوضى أو التهريج أو بالقمع من بدد جهد أمة ويعمل الآن ليخنق أحلامها.

مواقع الفتنة والجمال وراحة النفس والبدن راحت أو تغيرت. فندق البريستول صفّى أعماله، والحمرا استسلمت ليد تقبح ولا تجمل، واللبناني تضيق به السبل، حتى الهجرة. اللبناني وريث العبقرية الفينيقية متردد وغاضب ومتألم. وأنا مثله.

* جميل مطر كاتب ومفكر مصري مهتم بالنظام الدولي والعولمة والإصلاح.

المصدر | الشروق المصرية