الجمعة 3 يوليو 2020 03:38 ص

البوتينية

وسط حزمة من «الرسائل» مرّر بوتين غايته الأساس: بقاء الـ«بوتينية» في الكرملين.

نصت التعديلات على منع ذوي جوازات أو إقامات أجنبية أو حسابات ببنوك أجنبية من تبوؤ منصب رسمي.

الكثيرين من هؤلاء يحملون الجنسية «الإسرائيلية»، وهذا أيضاً تدبير يصادف هوى لدى عامة المواطنين.

أظهر بوتين مهارة كبيرة في مخاطبة الجماهير ونجح في تحقيق مراده بدعم شعبي غير قليل وظلت المعارضة الحادة له وللتعديلات غير مؤثرة.

*     *     *

قالت امرأة متقاعدة، وهي تضع ورقة تصويتها ب«نعم» في الصندوق: «كل التعديلات مناسبة لي»، في إشارة إلى التعديلات الدستورية التي استفتى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مواطنيه عليها، بعد أن مرّرها البرلمان.

وأشارت المرأة المتقاعدة إلى فقرات التعديلات المفضلة لديها، وهي: «ربط معاشات التقاعد بمستوى مؤشر الاستهلاك والتضخم، والحق في الدراسة، والعمل، والسكن»، وقد عبرت عن قاعدة واسعة من المتقاعدين صوتوا بحماس لمصلحة التعديلات.

امرأة أخرى أشارت إلى من بين ما أعجبها في التعديلات النصّ على أن «يكون الزواج بين رجل وامرأة فقط»، في إشارة إلى تحريم المثلية.

وعن التعديل الأهم الذي سيتيح للرئيس ترشيح نفسه لدورتين أخريين بعد انتهاء ولايته الحالية عام 2024، قالت: «ليس لديّ مشكلة في بقاء بوتين رئيساً، فهو مناسب لنا حالياً».

الأقوال العفوية لهاتين المرأتين تكاد تعكس مزاجاً عاماً عند أغلبية الروس، فقد أظهر بوتين مهارة كبيرة في مخاطبة «سيكولوجيا الجماهير»، إذا ما استعرنا عنوان الكتاب الشهير لجوستاف لوبون، فنجح في تحقيق مراده بدعم شعبي غير قليل، فالمعارضة الحادة له وللتعديلات المقترحة ظلّت غير مؤثرة.

وفي الجانب الروحي، يدرك بوتين الفراغ الناجم عن إزاحة منظومة القيم التي سادت في الحقبة السوفييتية، فعمل على منح مكانة أكبر للإيمان الديني، راسخ الجذور في الوجدان الروسي، بالنص في أحد التعديلات على «إيمان الروس بالرب»، وهذا أمر يتناغم مع رغبة الكنيسة الأرثوذكسية، بما لها من وزن، ومكانة، في ماضي روسيا، وحاضرها.

خاطب بوتين بمهارة أيضاً الروح القومية الروسية، وأظهر وفاء ملحوظاً لتضحيات الجيش الأحمر السوفييتي في الحرب العالمية الثانية، ودوره الحاسم في هزيمة النازية، وفي تصريحاته الأخيرة أكثر من التأكيد على هذا الأمر، متحدثاً بفخر عن بطولات الجنود السوفييت، وجنرالاتهم، في تلك الحرب.

ورغم تفشي «كورونا» أصرّ بوتين على إقامة العرض العسكري في الساحة الحمراء بمناسبة الذكرى الخامسة والسبعين للحرب، قبيل التصويت مباشرة على التعديلات التي نصّ أحدها على حماية «الحقيقة التاريخية» عن الحرب الوطنية الكبرى (1941-1945)، ومنع الاستهانة بمآثر ومنجزات من قاتلوا فيها.

وفيما يعد تحجيمًا لنفوذ بعض رجال الأعمال، نصت التعديلات على منع حاملي جوازات أجنبية، أو إقامة أجنبية، أو مالكي حسابات في بنوك أجنبية من تبوؤ أي منصب رسمي، وبالمناسبة، فإن الكثيرين منهم يحملون الجنسية «الإسرائيلية»، وهذا أيضاً تدبير يصادف هوى لدى عامة المواطنين.

وسط هذه الحزمة من «الرسائل» مرّر بوتين غايته الأساس: بقاء الـ«بوتينية» في الكرملين.

 * د. حسن مدن كاتب صحفي من البحرين

المصدر | الخليج - الشارقة