البعد النيلي لمصر

تحليل متماسك لأبعاد مصر الأربعة وبينها البعد النيلي يساعد على إدراك خلفيات الخلاف بين مصر والسودان وبين إثيوبيا.  

تريد أثيوبيا التحكم بمياه النيل متجاهلة حقائق الجغرافيا والتاريخ والحضارة ومستهترة بالأمن المائي والاقتصادي لمصر والسودان.

*     *     *

حدد المفكر الراحل جمال حمدان أربعة أبعاد لمصر، أحدها دعاه بـ«البعد النيلي» نسبة إلى نهر النيل، وجاء ترتيبه ثالثاً بعد البعد الآسيوي والبعد الإفريقي، ويليه في الترتيب الرابع، البعد المتوسطي.

وهذه الأبعاد الأربعة تتداخل في بعضها، كما هو الحال في تداخل البعد النيلي والإفريقي، فضلاً عن أنها، جميعاً، تتداخل مع الإطار العربي الكبير الذي لا يراه حمدان «مجرد بعد توجيهي أو إشعاعي، لكنه خامة الجسم وكيان جوهر في ذاته»، ويحتاج إلى دراسة مستقلة.

البعد النيلي لمصر أصيل وجوهري لم يعرف الانقطاع، في كينونة مصر؛ بل لعله زاد عمقاً على مر العصور. وفي شرحه له أوضح حمدان، أن نمط صعيد مصر الخطي الطولي قد لا يكون الأمثل للجغرافي الاقتصادي، لكنه نمط مثالي للاستراتيجية ولأغراض الحضارة والتاريخ.

فالصعيد الخطي هو الذي وسع رقعة مصر الكلية، بأن أضاف إليها الرقعة الكبرى من غلافها الصحراوي. ولو كان الصعيد ملموماً كالدلتا لكانت رقعة مصر أصغر مما هي عليه بكثير، ولكانت مصر آسيوية أكثر مما هي الآن.

الأهم من هذا، حسب جمال حمدان، هو أن هذا الصعيد الخطي أعطى لمصر عمقاً حضارياً في إفريقيا، فهو بمثابة «سهم مرسل نحو قلب القارة الإفريقية»، حمل حضارة مصر وثقافتها، مخترقاً الصحراء بنفاذ يتحاشى به قدر الإمكان الاحتكاك بحواجز الصحراء العنيدة.

يستوقفنا في حديث حمدان، أيضاً، إشارته إلى دور النيل في العلاقات بين مصر والسودان، حد أنه لاحظ أن تعريب السودان تم عبر مصر التي دفعت المد العربي إليه بعد الفتح الإسلامي بقوة، وكأن حمدان يضع يده بذلك على مشترك مهم بين البلدين، لا يتوفر لعلاقة مصر بأي بلد عربي آخر، كون «البعد النيلي» مقتصر عليهما بين البلدان العربية.

نحن، إذاً، إزاء بعد مهم في شخصية مصر وتكوينها، لا من زاوية الجغرافيا وحدها، وإنما من زوايا أخرى مهمة، بينها الأمن بوجهين رئيسين منه: الاقتصادي والاستراتيجي، دون إغفال تأثير البعد النيلي في تشكيل شخصية مصر وتاريخها وثقافتها وحضارتها، فلا يمكن فصل كل هذا بمعزل عن هذا التأثير.

هذا التحليل المتماسك لأبعاد مصر الأربعة، ولمكان البعد النيلي بينها، يساعد كثيراً على إدراك خلفيات الخلاف بين مصر والسودان من جهة، وإثيوبيا من جهة أخرى.

فأثيوبيا تريد التحكم في مياه النهر متجاهلة من جهة حقائق ساطعة لا في الجغرافيا وحدها وإنما في التاريخ والحضارة أيضاً، ومستهترة بالأمن المائي والاقتصادي لكل من مصر والسودان.

* د. حسن مدن كاتب صحفي من البحرين

المصدر | الخليج - الشارقة