منطق تحليل الخطاب

اللغة نسق إشاري ومجموعة علامات دالة وهي أوسع من الكلام والكلام أحد وسائل اللغة.

هل هناك إمكانية للعودة إلى الأشياء ذاتها دون توسط اللغة والقول حتى لو كان فصل الخطاب؟

أليس الرقص والغناء و«لغة الجسد»، محاولات للتعبير بالحركة والصوت دون المرور بلغة الكلام؟

أليس الصمت لغة وقد تكون أكثر دلالة من الكلام؟ وهل تُوسع اللسانيات الحديثة مفهوم الخطاب ولا تجعله قاصراً على الكلام؟

هل تظهر الخصوصيات الحضارية في تحليل الخطاب أم أن هناك منطقاً واحداً لتحليل الخطاب في كل الحضارات، خاصة حضارات الكلمة؟

ألم تستطيع اليابان القديمة التعامل مع الطبيعة بالرسم دون مرور بالكلام فالرسم كلام والأزهار لغة وعبارات؟ أليست الحروف الصينية رسوماً والحروف الهيروغليفية صوراً؟

*     *     *

استأنفت العلوم الإنسانية موضوع الخطاب حتى أصبح موضوعها الأثير، وبات غاية في ذاته بصرف النظر عن العوالم الأخرى التي تكشف عنها اللغة، أي علم المعاني أو عالم الأشياء، وتحول إلى مناهج تحليلية مضبوطة.

من ذلك منهج تحليل المضمون في العلوم الاجتماعية لتحليل الخطاب، ومنهج التحليل اللغوي النفسي كما هو الحال في علم اللسانيات النفسي، ومنهج التحليل اللغوي الاجتماعي من أجل معرفة الدلالات العرفية وآليات الاستعمال الاجتماعي للغة.

كما هو الحال في علم اللسانيات الاجتماعي، ومنهج التحليل اللغوي الخالص كما هو الحال في علم اللسانيات العام من حيث علوم الأصوات والقراءات والتراكيب.

والسؤال الآن: هل تظهر الخصوصيات الحضارية في تحليل الخطاب أم أن هناك منطقاً واحداً لتحليل الخطاب في كل الحضارات، خاصة حضارات الكلمة؟

وهل يمكن العثور على منطق واحد لتحليل الخطاب تقاس عليه كل حضارات الكلمة، أم أن هذا المنطق بالضرورة إنما يعبر عن حضارة خاصة وبالتالي تصبح مقياساً لجميع الحضارات؟

هناك بعض القوانين العامة في تحليل الخطاب من حيث هو خطاب، بصرف النظر عن انتمائه الحضاري، مثل التحول من الخطاب الشفاهي إلى الخطاب المدون. فعادةً ما يُنقل الخطاب شفاهةً قبل التدوين.

كما توجد بعض المؤلفات القديمة أُملي من الأساتذة على الطلاب مثل «المغني» للقاضي عبد الجبار، وكذلك معظم مؤلفات أرسطو وهيغل.

ومع ذلك فثمة أبعاد رئيسية في كل خطاب، بصرف النظر عن أنواعه وانتمائه الحضاري:

- هناك مستوى اللغة، حقيقة كانت أم مجازاً، كلاماً أم إشارة، ألفاظاً أم علامات.

- هناك مستوى المعاني سواء أكانت مستقلة عن الألفاظ أم مرتبطة بها، وسواء أكانت مطلقة أم نسبية، اصطلاحية أم عرفية.

- هناك مستوى الأشياء التي تحيل إليها اللغة، العالم خارج الكلام، والواقع خارج الألفاظ والذي يمكن أن يكون معيار صدق الخطاب، سواء أكان هذا العالم الخارجي عالم الأشياء أم عالم الأفعال.

ويظل سؤال آخر قائماً: هل هناك إمكانية للعودة إلى الأشياء ذاتها دون توسط اللغة والقول حتى لو كان فصل الخطاب؟

ألم تستطيع حضارة اليابان القديمة التعامل مع الطبيعة مباشرةً بالرسم وتنسيق الزهور دون المرور بالكلام، فالرسم كلام، والورود والأزهار لغة وعبارات؟ أليست الحروف الصينية رسوماً والحروف الهيروغليفية صوراً؟

أليس الرقص والغناء وما يسمى «لغة الجسد»، محاولات للتعبير بالحركة والصوت دون المرور بلغة الكلام؟ أليس الصمت لغة وقد تكون أكثر دلالة من الكلام؟ وهل يُظهر علم اللسانيات الحديث ويوسع مفهوم الخطاب ولا يجعله فقط قاصراً على الكلام.

اللغة نسق إشاري، ومجموعة من العلامات الدالة، وهي أوسع من الكلام، والكلام أحد وسائل اللغة. لذلك تفصّل الدراسات اللسانية المعاصرة حول تحليل الخطاب في وصف لغة الكلام الشفاهي في الحوار لمعرفة تركيب الجمل واستعمال المفردات.

وكأنها دروس في قواعد الكلام دون رؤية فلسفية للخطاب، أنواعه وأبعاده ومناهج تحليله، والحديث عن جزئيات في التكرار والنبرة وتغير الأصوات ونظام الكلمات.

وتحلل دراسة أخرى الصور اللغوية ووظائفها ودور السياق في التفسير، ومضمون الخطاب، موضوعاته وتصوراته، وبناء الخطاب وعرض مضمونه، وبناء الخبر، وطبيعة المرجعية في الخطاب، والاتساق في فهم الخطاب.

وتركز دراسة ثالثة على وصف الخطاب الشفاهي، وتركيب العبارات، وتبادل البنيات، وبواعثها واتساقها ونبراتها. وتبين دراسة رابعة نظرية الخطاب -الفعل وقواعده.

* د. حسن حنفي أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة.

المصدر | الاتحاد الظبيانية