نحرس عودتكم

عودتكم ليست قطعة أرض لبناء بيت أو مقبرة العودة هي عيون اقتلعت وشبابنا المعرضون للتعذيب في الأقبية.

إننا أمام أحد خيارين لا ثالث لهما: إما أن نطرد مافيا السلطة والمصارف والميليشيات وإما أن نموت.

انتفاضة 17 تشرين لم تكن عفوية إلا بمقدار ما يمكن أن تكون غريزة الدفاع عن البقاء عفوية ونابعة من أعماق الأعماق.

كان المهاجرون اللبنانيون يبعثون المال لأقربائهم كي يشتروا لهم قطعة أرض (أرض العودة) لإعدادها لعودتهم إلى بلادهم.

في عيون يحترق دمعها رأيت شعبا يواجه الإفقار والإذلال متروكا لمصيره بين ذئاب السلطة وضباع مافيات تنهشه وتريد أن تقتل روحه.

تعبنا من الوداع وأرهقنا فراق الأحبة! تعب سرعان ما غدا مزيج من اشمئزاز وغضب: اشمئزاز من عصابة تافهين تستخف بمصائر الناس وغضب بلا حدود.

*     *     *

سوف أروي لكم حكاية حقيقية، صحيح أنها تشبه الخرافة، لكنها حصلت، بحسب مالك ومدير صيدلية في بيروت.

دخلت إلى الصيدلية من أجل أن أشتري دواء، ففوجئت بعلامات الذهول مرتسمة على وجه الصيدلي ووجوه جميع العاملين معه، كانوا يتكلمون بأصوات منخفضة غير مفهومة.

سمعت الصيدلي يقول لمعاونيه إنه سيغادر الآن، وطلب منهم أن يتذكروا أمراً واحداً وهو أنه لا يريد دماً.

«إذا اجوا افتحوا الصندوق وخليهم ياخدوا شو ما بدهم، ما بدي ولا مشكل، المصاري فداكم بس ما لازم حدا منكم يتأذى».

تبعته وسألته ماذا يجري، فروى عن اللص الذي دخل إلى الصيدلية مع طفليه. «وصل الرجل الأربعيني، اقترب مني، ثم سحب مسدساً من وسطه ووضعه على الطاولة أمامي. طلب حفاظات وشامبو للأطفال، وحليباً، وقنينة اسبيرتو ومعقمات. وضعت طلباته في كيس وأعطيتها له.

كنت أنتظر أن يتابع السرقة ويمد يده إلى الصندوق، ففتحت الصندوق ووقفت أنتظر. أخذ الرجل الكيس وأمسك بمسدسه، فعاجلته بالقول بأن الصندوق مفتوح ويستطيع أخذ ما يريد، لكن الرجل وضع المسدس على خصره، وقال لا.

«أنا مش حرامي، بس منشان الأولاد».

«قال شكراً، ومضى وسط ذهولنا».

هنا تنتهي الحكاية، لكن حيرة الصيدلي رافقتني في طريق عودتي إلى المنزل، فتحت الكومبيوتر كي أكتب ما سمعت، وأحاول أن أقرأ علامات التحلل الاجتماعي في لبنان، التي تعبر عنها السرقات التي تجري في الشوارع، وصارت لا تعدّ.

لكنني قررت قبل أن أكتب، المرور على «فيسبوك» كي التقط شيئاً من أخبار هذه البلاد المنكوبة، فعثرت على شريط فيديو تتصدره صورة الممثل زكي محفوض. قلت أشاهد الشريط الذي وقعته ديمة صادق ونشرته على «يوتيوب» و«تويتر» ثم أعود إلى حكاية اللص.

رأيت ناتالي فلاحة تقول: «شحطونا، حرفياً شحطونا» (طردونا)، وشاهدت كيف بكى الفنان الجميل زكي محفوض واستبكانا، أما جيزيل خوري فاعتذرت من سمير وهي تغالب دموعها.

رأيت وجوهاً أعرف بعضها ولا أعرف بعضها الآخر، وجوه التقيتها في ساحات انتفاضة 17 تشرين، وأراهم اليوم يعلنون قرارهم بالهجرة من لبنان، ويلقون نظرة وداع على «وطن يموت وحياة تهاجر»، بحسب عنوان الشريط.

أمام العيون التي يحترق فيها الدمع، رأيت صورة شعب يواجه الإفقار والإذلال، وهو متروك لمصيره بين ذئاب السلطة وضباع المافيات التي تنهشه وتريد أن تقتل روحه.

كنا نعرف أن انتفاضة 17 تشرين لم تكن عفوية إلا بمقدار ما يمكن أن تكون غريزة الدفاع عن البقاء عفوية ونابعة من أعماق الأعماق، وكنا نعرف أيضاً أننا أمام أحد خيارين لا ثالث لهما، إما أن نطرد مافيا السلطة والمصارف والميليشيات وإما أن نموت.

وأمام الشريط تذكرت تقليداً يعرفه جميع سكان القرى اللبنانية التي شهدت هجرات متواصلة منذ مجاعة الحرب العالمية الأولى. ففي كل القرى، هناك قطع من الأرض اسمها «العودة».

كان المهاجرون اللبنانيون يبعثون المال لأقربائهم كي يشتروا لهم قطعة أرض من أجل الإعداد لعودتهم إلى بلدهم. البعض عاد إلى «عودته» وعمّر بيتاً، والأكثرية لم تعد، ولم يبق من ذاكرة الهجرة سوى «عودة» المهاجر، كحلم أو كفكرة أو كجرح وسم الأرض بميسم الفراق.

من سيكون عودتكم أيتها الصديقات والأصدقاء؟

أعترف وأعرف:

أعترف بأنني حين شاهدت هذا الشريط شعرت أنني أقف على حافة البكاء، وأحسست بالتعب، لقد تعبنا من الوداع، وأرهقنا فراق الأحبة. لكن هذا التعب سرعان ما تحول إلى مزيج من الاشمئزاز والغضب، اشمئزاز من عصابة التافهين التي تستخف بمصائر الناس، وغضب بلا حدود.

وأعرف أننا كشعب، نواجه عدوين:

عدواً داخلياً يتمثل في مافيا أحزاب السلطة وميليشياتها ونظام النهب المصرفي والفساد البلا حدود. منظومة تناهبت كل ما نملك وما لا نملك، وحولتنا إلى شعب من الرهائن والمتسولين..

وعدواً خارجياً يتمثل في صراع الوحوش الذي يدور على أجسادنا. صراع بين قوى إقليمية ودولية تمارس لعبة عض الأصابع، لكنها تعضنا نحن. أمريكا في لحظة توحشها الترامبي، وإيران وروسيا وإسرائيل في لحظة نشوتها التوسعية.

العدوان حليفان موضوعيان، هدفهما أن ينسى العرب أنهم عرب بعدما تحولت العروبة إلى مزيج من الاستبدادين النفطي والعسكري، وأن ننسى أن وطننا ملك لنا، وليس ملكاً لمماليك هذه اللحظة المنقلبة.

كنا نعي أن لا خيار أمامنا سوى الثورة، فاندفعنا إلى الشارع، لا لأننا نريد إسقاط النظام بل لأن النظام الأوليغارشي الفاسد الذي تديره مجموعة من الخاملين والأدعياء والطائفيين أسقط نفسه، وهو ممعن في السقوط، لأنه يتخبّط في المال المنهوب، ويعتقد أن هناك من سيأتي لإنقاذه.

وكان النظام يعي أن لا مجال أمامه سوى اللجوء إلى السلاح الوحيد الذي يتقنه: القمع والتهديد بالحرب الأهلية.

السقوط مستمر، أما اللغة الوحيدة التي يملكها هذا النظام فهي التفاهة.

هل هناك ما هو أكثر تفاهة من وزير يعلن أن دواء مرض السكري هو العمل في الأرض، أو من «قِزم» يأخذ لنفسه صوراً وهو يبذر الأرض، أو من أحمق يدعونا إلى تربية الدجاج في منازلنا، أو من قائد يدعونا إلى جهاد زراعي وهو لم يفعل شيئاً للزراعة طوال سنوات تولي أعضاء من حزبه أو حلفائه الأقربين وزارة الزراعة، أو من دعيّ يعطينا دروساً في الصمود ويقول لنا إن الوطن ليس فندقاً من دون أن يسأل نفسه عن المسؤول عن تحويل لبنان إلى فندق ومرتع للفقر والجوع.

لص الصيدلية هو عنوان الانحلال الذي سيتحول إلى عنف، والهجرة التي أبكتنا هي بداية الهجرات التي ستحولنا إلى شعب يعيش في قوارب التهريب والموت.

نقول لكم أيها الأصدقاء إننا في بيروت وطرابلس والنبطية وصيدا وصور وكل لبنان، هنا باقون كي نحرس عودتكم. عودتكم لن تكون قطعة أرض لبناء بيت أو مقبرة، العودة هي عيوننا التي اقتلعت وشبابنا وشاباتنا الذين يتعرضون للتعذيب في الأقبية.

نمسح دموعكم ونقول لكم سنلتقي، فدموعكم غسلت قلوبنا بالحب، والحب يعطينا القوة والصبر كي نحتمل ما عجزت جبال لبنان عن حمله.

لكم الحب أينما كنتم، فأنتم معنا حتى في يأسكم، ونحن هنا كي نحرس عودتكم.

* الياس خوري كاتب صحفي وروائي لبناني

المصدر | القدس العربي