السبت 18 يوليو 2020 03:28 م

كورونا والمعالجات الاقتصادية

مطلوب العمل السريع والفعال على احتواء الآثار الاقتصادية والاجتماعية السالبة والناجمة عن الوباء.

جائحة كورونا ستشطب 12 تريليون دولار بين 2020 و2021 والأثر الأكبر سيمس الأسر الأكثر فقراً.

ضرورة اتخاذ إجراءات صحية لتقليل الإصابات والوفيات الناجمة عن الوباء بين الفئات الهشة والفقيرة في المجتمع.

كلفة الوباء المتوقعة ستبلغ 10-11 تريليونات دولار ستتكبده الحكومات كإنفاق إضافي لتتجنب أزمة الانكماش الاقتصادي.

لا يمانع الصندوق والبنك الدوليان في ارتفاع الدين العام مقابل إبقاء النشاط الاقتصادي فعالاً بأقصى درجة ممكنة.

كلفة الدين أقل من كلفة إعادة إحياء نشاط الاقتصاد لو سُمِحَ بالركود دون تدخل الحكومات بإنفاق إضافي رغم تراجع الايرادات.

*     *     *

أصدر مجلس الشؤون الدولية الأميركي، أواخر شهر مايو/ أيار الماضي، دراسة تجميعية حَسَبَ فيها كلفة أزمة فيروس كوفيد 19 (كورونا) على الاقتصاد العالمي.

وجاء فيها أن الكلفة المتوقعة، أو الفاتورة التي ستدفعها الدول، ستبلغ عشرة تريليونات دولار أميركي، وهو المبلغ الذي سوف تتكبده الحكومات على شكل إنفاق إضافي، تتجنب فيه أزمة الانكماش الاقتصادي على الدول.

أما صندوق النقد الدولي الذي يعد تقارير دورية عن مساهماته في التخفيف من آثار جائحة كورونا، فقد قدّر هذه الخسائر في تقريره الصادر في نهاية الشهر الماضي (يونيو/ حزيران)، بحوالي أحد عشر تريليون دولار.

وكان من الواضح أن ارتفاع عدد الإصابات، ولجوء بعض الدول إلى الإغلاق التام للحركة، قد أوقعا الاقتصادات كلها، كبيرها وصغيرها، المتطوّر منها والنامي، والقوي والهش، في مشكلات متشابهة.

وتفيد تقديرات صندوق النقد والبنك الدولين الصادرة يوم 24 يونيو الماضي، بأن الانكماش العالمي سيصل إلى 4.9 نقاط مئوية في العام الحالي (2020)، وأن جائحة كورونا ستشطب 12 تريليون دولار بين هذا العام والعام المقبل، وأن الأثر الأكبر سيكون على الأسر الأكثر فقراً.

كما توقع الصندوق انكماش اقتصاد أميركا 8% هذا العام، وانكماش اقتصاد ألمانيا 7.8%، وتوقع انكماشا بنحو 13% لكل من فرنسا وإيطاليا وإسبانيا. وجاءت التوقعات صادمة بنمو الاقتصاد الصيني 1% فقط في العام الجاري، 2020.

بينما قَدّرتْ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية نسبة الانكماش العالمي للعام الحالي بحوالي ست نقاط مئوية. وقد اضطرت الدول، في سبيل الحد من التراجع ومن ارتفاع نسب البطالة والفقر، إلى زيادة الإنفاق، الأمر الذي فاقم من مديونيتها، وزاد في تعقيد المشكلات الاقتصادية التي ستواجهها الدول، النامية منها خصوصا، في المستقبل، بعد انقضاء جائحة كورونا.

والواقع أن المديرة التنفيذية الجديدة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجييفا، تقدّم تصوّراً متكاملاً للتعامل مع أزمة كورونا، تشرحه في ثلاثة أبعاد:

الأول، ضرورة اتخاذ الدول الإجراءات الصحية المطلوبة، لكي تقلل من عدد الإصابات والوفيات الناجمة عنها، خصوصا بين صفوف الفئات الهشة والفقيرة في المجتمع، مثل كبار السن، أو الأطفال، أو أصحاب الدخول المنخفضة من عمال المياومة في مجال الخدمات البسيطة.

الثاني، العمل السريع والفعال على احتواء الآثار الاقتصادية والاجتماعية السالبة، والناجمة عن الوباء. ولذلك، أعلن صندوق النقد الدولي أنه وفر حوالي تريليون دولار من أجل مساعدة الدول ضمن برامج مختلفة لاحتواء هذه الأزمات.

وقد أنشأ مثلاً "تمويلاً" في حالة الطوارئ (Emergency funding)، وقروضاً مدعومة، ونوعاً من تخفيف الديون، وصندوقاً لتخفيف الفقر، ومخصصاتٍ أخرى لمساعدة الدول في تخطي هذه المحنة. وحض الدول على الدعم الثنائي كذلك.

وفي معرض تبريره لاحتواء آثار الجائحة، يرى صندوق النقد الدولي أن الصواب هو أن تسمح الدول لمديونيتها العامة بالزيادة إلى نسب محتملة ومقبولة، مقابل استخدام هذه الأموال في تحسين الأداء الاقتصادي.

بمعنى آخر، لا يمانع الصندوق، ومعه أيضاً البنك الدولي، في أن ترتفع المديونية العامة مقابل إبقاء النشاط الاقتصادي فعالاً إلى أقصى درجة ممكنة، وذلك لأن كلفة الدين ستقل عن كلفة إعادة إحياء النشاط الاقتصادي، لو سُمِحَ له بأخذ مداه بدون تدخل الحكومات بمزيد من الإنفاق، على الرغم من تراجع الايرادات.

هذه الإحلالية بين خسائر حكومية في المدى القصير، مقابل منافع اقتصادية عامة في المديين، المتوسط والأطول، صارت أكثر مقبولية من المؤسسات الدولية التي كان همّها أساساً هو ضمان ضبط السلوك المالي للحكومات. وباتت توافق على مواجهة مشكلتي الفقر والبطالة هدفا تقبل به هذه المؤسسات.

ولو دققنا في أولويات كل من البنك وصندوق النقد الدوليين، فإنهما يحضّان الدول، وخصوصا النامية ومتوسطة الدخل منها، على أمرين: الانتباه أكثر إلى عدالة توزيع الدخل والثروة أو الحوكمة ومنح الفرص المتكافئة، ومحاربة الفساد.

وقد صار واضحاً أن دولاً كثيرة، وخصوصاً في الوطن العربي، بدأت تشن حملاتٍ ضد الفساد ومحاربته، للتقليل من الآثار السلبية الكبيرة على معدلات النمو وتوزيع ثمارها بين مختلف فئات الشعب.

البعد الثالث الذي يطالب به البنك والصندوق الدوليان تبنّي تصوّر للنمو الاقتصادي، وتفعيل دور القطاع الخاص، ليكون موفراً لفرص العمل، وقادراً على تزويد الخزينة العامة بالإيرادات المطلوبة.

ومن الدول العربية الأكثر التزاماً بهذا النموذج الأردن وتونس. ويتابع ملك الأردن عبد الله الثاني، ليل نهار، تطورات مرض كورونا. وحقق الأردن في تطويق الجائحة نجاحاً كبيراً، حيث بلغت نسبة الوفيات واحداً من كل مليون نسمة، بينما تتفاخر دول تعتبر نفسها ناجحة في محاربة كورونا بأن معدل الوفيات فيها هو واحد من كل مائة ألف نسمة.

وكذلك، يتابع الملك خطوات الحكومة المالية والنقدية لضمان توفير الأرصدة المطلوبة لدفع أجور العمال، واتخاذ إجراءاتٍ تؤجل دفع المستحقات، وإعادة هيكلة المؤسسات الهامة المتعثرة.

وأخيراً، يشرف على وضع تصورات الدفع الاقتصادي بعد انجلاء أزمة كورونا، مثل التركيز على الإنتاج الغذائي في الأردن، وكذلك العمل المتواصل لتشجيع المبادرات التكنولوجية الشبابية، وخصوصاً في حقل الاتصالات والمعلومات.

التغير في نموذج صندوق النقد والبنك الدوليين نحو تنمية أكثر مراعاة للإنسان ورفاهيته هو الدواء الناجح، بدلاً من التركيز على الحصافة المالية. حجم المساعدات مهما كبر سيبقى محدوداً، بالقياس إلى دخل الدول من الضرائب والرسوم التي تأخذها من شعوبها، فكيف تسخر الاقتصاد من أجل خدمة الأقلية على حساب الأكثرية؟

* د. جواد العناني سياسي وخبير اقتصادي، نائب رئيس الوزراء ورئيس الديوان الملكي الأردني الأسبق.

المصدر | العربي الجديد