الأربعاء 22 يوليو 2020 12:52 م

لبنان واحتمالات الانقلاب

الانقلاب مثل جميع محاولات إنقاذ النظام من داخله، لن يكون سوى جزء من الانهيار.

الانقلاب ليس حلاً، مهما اتخذ من أشكال وأسماء، ولن يكون سوى محاولة إنقاذ نظام اقتصادي-سياسي لم يعد إنقاذه ممكناً.

ليس أمام انتفاضة تشرين سوى إعادة تنظيم مساراتها وبناء قواها والاعتماد على نفسها لئلا يغرق لبنان في عتمة التفكك.

هل تتحول انتفاضة تشرين من ثورة شعبية الى «حركة تمرد» التي نظمتها المخابرات العسكرية بمصر لإطاحة الإخوان المسلمين وتدمير ثورة يناير المصرية.

*     *     *

هل يعيش لبنان عشية انقلاب عسكري؟

هل هذا ممكن؟

عندما كانت المنطقة العربية تعج بالانقلابات العسكرية، كان لبنان في مناخ آخر. ذروة التأزم الإقليمي في المنطقة التي تمخضت عن انقلاب 14 تموز 1958 في العراق، انعكست في لبنان على شكل حرب أهلية صغيرة، انتهت بقيام مجلس النواب بانتخاب قائد الجيش فؤاد شهاب رئيساً.

انعكاسات الصراعات الإقليمية في البنى الطائفية الحاكمة أسست في لبنان نظام حرب أهلية دائمة، وعند الوصول إلى حافة الانفجار، أو وسط الانفجار، يتم اللجوء إلى انتخاب عماد من الجيش رئيساً.

الاستثناء الوحيد كانت محاولة الحزب السوري القومي القيام بانقلاب عسكري فاشل عام 1961، كانت نتيجته إطلاق يد مخابرات الجيش التي كانت تسمى «الشعبة الثانية» في التلاعب بالحياة السياسية.

انقلاب العميد عزيز الأحدب التلفزيوني (11 آذار- مارس 1976) في خضم الحرب الأهلية، قدّم نموذجاً كاريكاتورياً لمصائر الانقلاب في بنية سياسية تسيطر عليها الطائفية السياسية.

ومع ذلك، فإن سؤال الجيش ومتى يأتي دوره السياسي، مطروح في لبنان وبشكل جدي.

والسؤال ليس إيجاد حل تقليدي عبر انتخاب قائد الجيش ليدير الأزمة بالاشتراك مع القوى السياسية المسيطرة. فهذا الحل لم يعد متوفراً، لأن المنظومة السياسية الحاكمة أفلست سياسياً واقتصادياً ووضعت لبنان في مواجهة المجاعة.

أما محاولة التغيير التي صنعتها انتفاضة 17 تشرين فوجدت نفسها أمام حائطين: حائط العنف الذي لا يستطيع أن يكون خيارها، وحائط العجز عن بناء جبهة سياسية تقود مرحلة انتقالية ثورية.

المجتمع أمام خطر التفكك.

العهد القوي يقود اليوم أكبر عملية تفكك في تاريخ لبنان.

فمن طرائف الحالة اللبنانية الغارقة في المآسي هو الاسم الذي أطلقه العونيون على عهد زعيمهم، إنه العهد القوي. وقد امتدت التسمية لتشمل الكتلة البرلمانية التي يترأسها جبران باسيل، فأطلق الصهر والوريث اسم «كتلة لبنان القوي» عليها.

ولم يلبث حليف العهد اللدود سمير جعجع أن بادر إلى إطلاق اسم «كتلة الجمهورية القوية» على مجموعته البرلمانية. هذا قبل أن ينكشف أن اتفاق معراب لم يكن سوى اتفاق محاصصة ما لبث باسيل أن انقلب عليه.

ما يهمني هو إطلاق صفة القوة على عهد أوصل لبنان إلى حضيض الضعف، بحيث صار الاسم بديلاً من الواقع. بدل أن تُسمى الأشياء باسمائها فقد تم إطلاق الاسم المضاد، وهذا لا علاقة له بقاموس الأضداد في لغة العرب، حيث يدل الاسم على المعنى ونقيضه في آن معاً. فقاموس الأضداد اللبنانية هو أن يدل الاسم على نقيضه فقط، كوسيلة لحجب حقيقة لم يعد أي حجاب لغوي مهما تفاصح قادراً على طمسها.

لعبة القوة تلاشت معلنة أن هناك قوياً واحداً في لبنان هو «حزب الله»، وأن هذا الحزب فرض عون رئيساً واختبأ خلف حكومة سعد الحريري، لكنه مع الانكشاف الكبير للسلطة وبروز عجزها وفسادها وانحطاطها، لم يكن أمامه سوى خيار واحد، هو تشكيل حكومة بالاشتراك مع عون، بصفته الغطاء الوحيد المتبقي، وبالشراكة مع «حركة أمل».

حكومة الظلال التي يترأسها حسان دياب، أثبتت عجزها الفاضح عن لجم الانهيار، وتخلت عن مشروعها الاقتصادي كي تندرج في أطر لعبة المافيا، لكن استبدالها بحكومة ما يسمى بالوحدة الوطنية، أي وحدة اطراف المافيا جميعاً، بات متعذراً في ظل الانسداد السياسي الداخلي والتوتر الإقليمي، والحرب الاقتصادية الشرسة التي تشنها الولايات المتحدة على إيران وأذرعها في المنطقة.

الحكم في أزمة شاملة لا حل لها.

والمصير، هو التفكك السياسي والاجتماعي.

في العادة يلجأ النظام اللبناني إلى الأسلوب الذي يتقنه، وهو إشعال حرب أهلية. وقد رأينا مؤشرات هذا الاحتمال في الشعارات والممارسات التي استخدمت لقمع شابات وشبان انتفاضة 17 تشرين.

لكن الحرب الأهلية تحتاج إلى قوى خارجية تمولها وتنخرط فيها، وهذا غير متوفر حتى الآن، الطرف الوحيد المسلح كالجيوش هو «حزب الله». وكي تخاض الحرب الأهلية يجب أن تكون الأطراف الأخرى قادرة على ذلك.

هذا لا يعني أن احتمالات الحرب الأهلية وضعت جانباً، فالحرب قد تكون جزءاً من التفكك الاجتماعي وتتويجاً له.

فالأوليغارشية ومافياتها لن تتفرج على سلطتها تنهار بشكل كامل، وكبار الرأسماليين والمصرفيين وهم يناورون من أجل الحفاظ على مكتسابهم، باتوا يعرفون أن المنظومة السياسية اللبنانية انتهت، ولم تعد قادرة على حماية مصالحهم.

هنا يبرز سؤال الانقلاب والشكل الذي قد يتخذه.

العقبة الكبرى أمام الانقلاب هي وجود جيشين في لبنان، هل يمكن إيجاد تسوية بينهما تفرض على «حزب الله» أن يأخذ وضعية خفرة من أجل تمرير المرحلة بأقل الخسائر الممكنة؟ حزب الله ارتضى أن يغطّي نظام الانهيار كي يحمي مشروعه الإقليمي، لأن هذا المشروع لا يستطيع أن يستمر من دون غطاء الرئيس «القوي». لذلك، يجد حزب الله نفسه اليوم في المأزق.

هل قدم مهرجان 17 تموز-يوليو في ساحة الشهداء، الذي أقامه المتقاعدون العسكريون بزعامة العميد شامل روكز وبالاشتراك مع مجموعة «مواطنون ومواطنات في دولة» بزعامة الوزير السابق شربل نحاس، إشارة إلى احتمال وجود هذه القطبة المخفية، أو إلى محاولة بلورة مسعى في هذا الاتجاه؟

أم أن المهرجان كان مجرد استعراض قوة لن يجد أي صدى إيجابي لدى حزب الله المنخرط في مشروع إقليمي ليس لبنان سوى أحد عناوينه؟

كان المهرجان مناسبة لإعلان الصهر الثاني لعون عن انفكاكه عن منظومة باسيل- عون كي يخوض معركة الوراثة، بصفته قائداً للثورة! وماذا أتى بمجموعة سياسية علمانية شاركت في انتفاضة 17 تشرين منذ انطلاقتها، إلى مهرجان العسكريين، حيث أعلن الجنرال ثلاثية المنع: منع الشتائم، والتوقف عن قطع الطرقات، وضرورة عدم التصدي للقوى الأمنية.

جاءت ثلاثية المنع هذه في اللحظة التي كانت فيها القوى الأمنية تحمي قرار صرف مئات الموظفات والموظفين من مستشفى الجامعة الأمريكية في بيروت، وفي مرحلة استشراس القمع ضد الناشطات والناشطين الذي تقوم به الأجهزة الأمنية.

القطبة المخفية هي السؤال، ففي حال وجودها سيفرض على انتفاضة 17 تشرين الانتقال من مشروع ثورة شعبية الى ما يشبه «حركة تمرد» التي نظمتها المخابرات العسكرية المصرية، وكانت مقدمة الانقلاب الذي أطاح الأخوان المسلمين من جهة، ودمر فكرة ثورة يناير المصرية من جهة ثانية.

الانقلاب ليس حلاً، مهما اتخذ من أشكال وأسماء، ولن يكون سوى محاولة إنقاذ نظام اقتصادي-سياسي لم يعد إنقاذه ممكناً.

الانقلاب مثل جميع محاولات إنقاذ النظام من داخله، لن يكون سوى جزء من الانهيار.

وليس أمام انتفاضة تشرين من خيار سوى أن تعيد تنظيم مساراتها وتبني قواها وتعتمد على نفسها كي لا يغرق لبنان في عتمة التفكك.

* الياس خوري كاتب صحفي وروائي لبناني

المصدر | القدس العربي