مشروعية القيادات في العالم

لماذا لم يعد صناع القرار من فئة خاصة بل أناس متوسطو القدرات محدودو الذكاء وصوتهم مرتفع؟

هل هنالك طبقية معينة تجعل بعض الناس أجدر بالحكم من غيرهم؟ وما الشروط المطلوبة لمن يكون مؤهلاً للحكم؟

"تستطيع خداع كل الناس بعض الوقت وخداع بعض الناس كل الوقت لكنك لا تستطيع خداع كل الناس كل الوقت".

"لتجنب الأعداء لا تقل شيئا ولتجنب النقاد لا تفعل شيئا ولتجنب الحساد لا تكن شيئا ولئلا تكون بليدا انْسَ كل ما قرأته أعلاه".

ماذا إن كان الحاكم لا يتقيد بالقرآن والسنة ومصادر التشريع: هل يثور عليه الناس أم يرجئونه على أمل أن يتوب ويعود لحكم الله.

*     *     *

من الاقتباسات الجميلة حول البَلادة الوسطية (ترجمتي لكلمة mediocrity بالإنكليزية)، فإن واحداً منها يبقى عالقاً في ذهني، ولا أنساه، وإن كنت أنسى اسم قائِلهِ، مانشونا ذيلوايو، وهو زيمبابوي الأصل وكندي الجنسية.

يقول الاقتباس: "لكي تتجنب الأعداء لا تقل شيئاً. ولكي تتجنب النقاد لا تفعل شيئاً. ولكي تتجنب الحساد لا تكن شيئاً. ولكي لا تكون بليداً وسطياً انْسَ كل ما قرأته أعلاه".

ويؤكد كتاب حديث بعنوان La Mediocratie، للكاتب الكندي ألان دونو Alain Deneault، من مقاطعة كيبيك (مواليد 26 سبتمبر/ أيلول 1970)، أن الأشخاص الوسطيين صاروا يحكمون العالم بدون اجتياح الباستيل (إشارة إلى الثورة الفرنسية)، وبدون حريق الرايخشتاغ (إشارة إلى فوز هتلر في ألمانيا).

ويحلل الكاتب، الحاصل على دكتوراه في الفلسفة من جامعة باريس في العام 2004، لماذا لم يعد صناع القرار من فئة خاصة، بل أناس متوسطو القدرات، محدودو الذكاء، وصوتهم مرتفع.

 

البلادة الوسطية

وتخطر على بال المرء أشياء كثيرة، وهو يفكر في هذا الموضوع. أولها تعريف البلادة الوسطية، أو التوسط، أو التفاهة كما يترجمها بعضهم. هل هنالك طبقية معينة تجعل بعض الناس أجدر بالحكم من غيرهم؟ وما هي الشروط المطلوبة لمن يكون مؤهلاً للحكم؟

ولو اتفق الناس على هذه لما كتبت آلاف الكتب، ولما تفرّعت الفلسفات في شرعية الحكم ومشروعيته، ولما اختلف أبو حامد الغزالي مع ابن رشد، ولا أفلاطون والقديس أوغستين، ولما نجحت فلسفة كارل ماركس حقبة من الزمن، ولما انقسم الناس بين الحكم المتوارث والحكم المتغير.

وهذه قضية كبرى. وقد بُنيَت فلسفة الحكم عند الفلاسفة الفرنسيين (مونتسكيو، وروسو، وفولتير وغيرهم)، على الفلسفة اليونانية، والمأخوذة أيضاً عن ابن رشد الذي أكّد أن الشعب هو مصدر السلطات. وماذا لو كان الشعب غير متعلم؟

هنا يجيب أبراهام لنكولن، الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة الأميركية: "إنك تستطيع خداع كل الناس بعض الوقت، وخداع بعض الناس كل الوقت، ولكنك لا تستطيع خداع كل الناس كل الوقت".

وهذه في الواقع ترجمة للحديث النبوي الشريف "لا تجتمع أمتي على ضلالة". وقد فسّره بعض علماء الحديث أن علماء الأمة لا يمكن أن يجتمعوا على ضلالة، مثل الشاطبي.

وهكذا، فإنهم يميزون بين العلماء والعوام، فالعوام يمكن أن يخطئوا ويجتمعوا على أمر غير رشيد، أما العلماء فلا يمكن أن يفعلوا ذلك. وأنا أشكّ في دقة التفسير، لأن الرسول أشار إلى اجتماع الأمة، أي كل الناس، بعلمائهم وعوامّهم.

وعلى أي حال، تسعى أدبيات دينية إلى جعل الحكام فئة خاصة مميزة عن غيرها، مستثمرين الآية الكريمة "وأَطِيعُوا الله، وأَطِيعُوا الرسول وأولي الأمر منكم"، ولكن علماء آخرين فسّروا الطاعة بأنها ما يرضي الله، وإن تنازعتم في ذلك فردّوه إلى الرسول، أو إلى أولي الأمر منكم، ليفتوكم في ما أنتم تتخاصمون فيه.

ولم أجد في كل التفسيرات الدينية إجماعاً بين العلماء على مفهوم الحكم، وإن كانوا يعتقدون أن الحاكم العادل المشروع هو الذي يطبق أحكام الله فيطالب بأداء ما أمر به الله، وينهى عما نهى عنه الله.

وماذا إذا كان الحاكم لا يتقيد بأحكام القرآن والسنة ومصادر التشريع، فهل يثور عليه الناس، أم يرجئونه، على أمل أن يتوب ويرجع إلى حكم الله. وهذا ما فرّق بين المعتزلة والمرجئة.

وانحاز الخلفاء للمرجئة الذين اتخذوا من فقه الغزالي لاحقاً ذريعةً لذلك، وخصوصا أنه أرجع فكر ابن رشد إلى الفلسفة اليونانية التي تحضّ على الفتنة "واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة".

أما المعتزلة فقالوا إن بقاء الحاكم إن خرج عن حكم الله ليس مقبولاً ومخالفاً للشرع. وفي الحالتين، تبقى الإشارة إلى العلماء هي السائدة.

ويثير أهل الغرب الآن السؤال نفسه، فبعضهم يقول إن الناس كانوا ينتخبون الأشخاص المناسبين في الغرب، والأكثر أهلية للحكم. فهؤلاء يجري تدريبهم وإعدادهم سياسياً، وهم ينخرطون في الأحزاب، حيث يقدمون الدليل على قدراتهم القيادية وأهليتهم للمناصب العليا، ثم يتنافسون بموجب الديمقراطية والخيار الشعبي، حتى يصلوا إلى الحكم، فيكونوا جاهزين مؤهلين.

 

كلف الانتخابات المرتفعة

لكن من الذي يختار القياديين داخل الأحزاب السياسية؟ وهل داخل الأحزاب نفوذ كبير لأصحاب المصالح، فيختارون الشخص الذكي القيادي، ولكنه الذي يحقق مصالحهم ويدافع عنها؟

الناس عندما يختارون من يحكمهم تكون الخيارات أمامهم محصورةً في من اختارتهم الأقليات النافذة داخل الأحزاب، ومن يتبرّعون بأموالهم. لقد أصبحت كلفة الانتخابات مرتفعةً إلى حد كبير، لا يقدر عليها إلا من ورث مالاً كثيراً، أو من توفر له المال المطلوب للإنفاق على الحملة الانتخابية.

ولماذا أصبحت كلف الانتخابات مرتفعة؟

السبب أن الإعلام هو الذي يضع صورة الناخب ومزاياه في ذهن الناس، وكل ما يقوله المرشح يأتي من خبراء في العلاقات العامة والتسويق والإعلام وصناع الانطباعات والقادرين على التأثير. لذلك لا يختار الناس المسؤول، وإنما يختارون صورته التي رسمت ولونت وصقلت بعناية شديدة.

إذن، نحن نصوت للانطباع، للشخص الافتراضي، وليس للشخص الفعلي. وأعتقد أن هذه الفلسفة الجديدة لم تأت من أوروبا فحسب، بل صارت تأتي من تجربة الولايات المتحدة. والإعلام الذي يصنع الرؤساء ويبيعهم للناس قادر على تدمير صورتهم وإحباطهم.

* د. جواد العناني سياسي وخبير اقتصادي، نائب رئيس الوزراء ورئيس الديوان الملكي الأردني الأسبق.

المصدر | العربي الجديد