السبت 25 يوليو 2020 03:13 م

مصيدة حل "الدولة الواحدة"

ما الذي يقنع مجتمعا صهيونيا ينجرف نحو جنون التطرف بقبول "الدولة الواحدة" ما لم يقتنع أن هذا خياره الأمثل؟

ترويح فكرة "الدولة الواحدة" يسهم في ضرب روح المقاومة للمشروع الصهيوني عبر التعلق بأوهام منفصلة عن الواقع.

الأجدر بالعرب توظيف أوراق القوة بحوزتهم ضد إسرائيل ووقف التعاون الأمني والاستراتيجي والاقتصادي ودعم المقاومة.

أي تسوية لا تفكك مزاعم أحقية الصهاينة بأرض فلسطين ولا تؤكد قيام الكيان بأرض عربية مغتصبة لن يكتب لها النجاح.

مشروع الدولة الواحدة ينسف أسس الصهيونية وسرديتها لأن الفلسطينيين سيشكلون أغلبية هذه الدولة فتخسر إسرائيل طابعها اليهودي.

*     *     *

بشكل لافت ومفاجئ راجت مؤخرا دعوات أطلقها مسؤولون كبار في دول عربية ونخب فلسطينية لقبول فكرة الدولة الواحدة كحل للقضية الفلسطينية، ذلك ردا على مخطط الضم، الذي يصفي حل الدولتين بشكل نهائي.

رغم افتراض حسن النية في أولئك العرب والفلسطينيين الذين يتبنون هذا الطرح، فإنه من الأهمية بمكان الوقوف على المخاطر الهائلة التي ينطوي عليها هذا الطرح، والتي يمكن إيجازها في التالي:

1. من ناحية مبدئية، فإن أي مشروع تسوية لا يستند إلى تفكيك وتحييد المزاعم بأحقية الصهاينة على أرض فلسطين وأن هذا الكيان قام على أرض عربية مغتصبة لن يكتب لها النجاح، لأن الصهاينة ببساطة لن يتطوعوا للتنازل عن كل ما حققوه بالقوة.

2. مشروع الدولة الواحدة يعني نسف أسس الحركة الصهيونية، لأن الفلسطينيين قد يشكلون الأغلبية في هذه الدولة، فتخسر إسرائيل طابعها اليهودي.

وهذا لن يتأتى إلا بإحداث تحول على ميزان القوى بين الكيان الصهيوني من جهة والشعب الفلسطيني والأمة العربية، فنتائج المفاوضات تكون دوما نتاج موازين القوى وليس بسبب مواقف مبدأية وأخلاقية.

فما الذي يقنع المجتمع الصهيوني، الذي ينجرف نحو جنون التطرف بقبول فكرة الدولة الواحدة، ما لم يقتنع أن هذا الخيار الأمثل له.

3. في الوقت الذي ترفض الحكومة الصهيونية "صفقة القرن" التي تمثل تصفية للقضية الفلسطينية، فقط لأنها تنص على دولة فلسطينية وهمية بدون سيادة على أمنها وعلى الحدود، وبدون القدس واللاجئين، فهل يمكن أن تقبل فكرة "الدولة الواحدة، وفي ظل تهافت النظام الرسمي العربي.

4. أخطر ما ينطوي عليه الترويح لفكرة "الدولة الواحدة" أنه يسهم في ضرب روح المقاومة للمشروع الصهيوني عبر التعلق بأوهام منفصلة عن الواقع، كما أن إثارة الجدل حوله لا يؤثر على دافعية إسرائيل لمواصلة تكريس الحقائق على الأرض لضمان قضم الأرض وابتلاعها.

5. الرسالة التي يبعثا دعاة "الدولة الواحدة" تنطوي على فنتازيا هاذية؛ حيث إنهم يقولون بشكل غير مباشر للفلسطينيين أنه من الحكمة التسليم بضم إسرائيل للأراضي الفلسطينية على اعتبار أن الفلسطينيين الذين سيشملهم الضم سيتم منحهم "المواطنة الإسرائيلية"، مما سيجعلهم أغلبية وهذا ما يقود إلى وقوع الكيان الصهيوني تحت حكم فلسطيني.

وفي حال رفض الكيان الصهيوني منح الفلسطينيين "المواطنة الإسرائيلية" فأن دعاة "الدولة الواحدة" يتوعدون "إسرائيل" بمصير كمصير نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا، مما يراكم الضغط عليها تماما كما حدث في جنوب أفريقيا.

وهذا وهم، حيث إن الرهان على أن العالم سيعامل إسرائيل كما عامل نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا في غير مكانه، على اعتبار أن إسرائيل تؤدي دور وظيفي للغرب، ناهيك ان الغرب قبل عمليا أنماط العمل التي اعتمدتها إسرائيل لتكريس ذاتها.

وإذا أخذنا بعين الاعتبار التحولات التي يشهدها الغرب والعالم بشكل عام مع صعود قوى اليمين المتطرف للحكم، فإن مهمة تجريم إسرائيل ستكون صعبة جدا.

إذ أن قوى اليمين المتطرف تميل بشكل واضح لبناء علاقات إستراتيجية مع حكومة اليمين المتطرف التي تحتكر الحكم في الكيان الصهيوني بدل الترويج لفكرة "الدولة الواحدة" الهاذية!

كان الأجدر بالمسؤولين العرب، أن يوظفوا أوراق القوة التي بحوزتهم ضد إسرائيل، مثل وقف التعاون الأمني والإستراتيجي والتعاون الاقتصادي والحرص على وجود حالة فلسطينية مقاومة.

* د. صالح النعامي كاتب وباحث سياسي في الشأن الإسرائيلي.

المصدر | السبيل الأردنية