السبت 25 يوليو 2020 06:50 م

الخطاب بين الشكل والمضمون

الخطاب السياسي يكشف صراع الأهواء والمصالح والإرادات والقوى الاجتماعية والسياسية.

الخطاب الأدبي الفني خطاب نقدي يقوم بتحليل الأعمال الأدبية والفنية لبيان جمالياتها.

الخطاب العلمي المنطقي يحاول الوصول لأعلى دقة وموضوعية والتخلص من الذاتية والشخصية.

الخطاب التاريخي خطاب بديل عن التوجيه المباشر نحو الاتعاظ بحوادث التاريخ ومساره واستعادة نماذجه.

الخطاب الإعلامي هو السائد والشائع وتحول في هذا العصر إلى خطاب رئيسي لأنه الطريق للقوة في السياسة والاقتصاد.

*     *     *

تناولنا في المقال السابق أربعة أنواع من الخطاب، هي: الخطاب الديني، والخطاب الفلسفي، والخطاب الأخلاقي، والخطاب القانوني، واليوم نتناول خمسة أنواع أخرى:

- الخطاب التاريخي، وهو الخطاب البديل عن التوجيه والإرشاد المباشرين إلى الاتعاظ بحوادث التاريخ ومساره واستعادة نماذج بطولاته ومفاخره. وقد يكون الخطاب التاريخي وضعياً، مهمته الإخبار، فالخبر أحد مصادر المعرفة، في هذه الحالة يتم التحقق من صدق الروايات، لذا وضع علماء الحديث علماً بأكمله من أجل التحقق من صدق الرواية عن طريق اتصال السند.

- الخطاب الاجتماعي السياسي، وهو خطاب يبدأ بالمجتمع ويصدر عنه، خاصة خطابات القادة والزعماء السياسيين، والغرض منه التأثير في الناس وتوجيههم، كما هو حال الخطاب الأيديولوجي. ويكشف الخطاب السياسي عن صراع الأهواء والمصالح والإرادات والقوى الاجتماعية والسياسية.

- الخطاب الأدبي الفني: وهو الخطاب النقدي الذي يقوم بتحليل الأعمال الأدبية والفنية لبيان جمالياتها، وقدرتها على التأثير في الملتقي وإثارة خياله، ومقدار ما فيها من إبداع. وهو خطاب يجمع بين الذاتية والموضوعية، بين رؤية الأديب والفنان وبين الواقع الذي يصورانه ويعبران عنه.

وقد صاغه النقاد العرب، مثل عبد القاهر الجرجاني وحازم القرطاجني، وأعاد صياغته علماء النقد والجمال المحدثون، خاصة مدرسة فرانكفورت. والعمل الأدبي أو الفني نفسه إبداع، وتحليله نقدياً يدخل في إطار الخطاب النقدي الجمالي.

- الخطاب الإعلامي المعلوماتي: وهو الخطاب الذي يهدف إلى الإخبار بالحوادث، ليس بهدف العلم وحده، بل أيضاً للتأثير على السامعين وتوجيههم في اتجاه خاص بكيفية تقديم الخبر والإعلام به وصياغته. فلا يوجد خبر إلا من وسائل الإعلان عنه، كما لا يوجد مضمون بلا صورة.

وهو الخطاب السائد والشائع، والذي تحول في هذا العصر إلى خطاب رئيسي، لأنه الطريق إلى القوة في السياسة والاقتصاد. وقد تطور الإعلام نفسه، حتى أصبح عِلماً مستقلاً، وتحول من علم إنساني تقليدي، إلى تكنولوجيا حديثة تهدف إلى تنظيم المعلومات والاستفادة منها في كيفية صنع القرار.

- الخطاب العلمي المنطقي: وهو أشد أنواع الخطاب صرامة ودقة، ويعتمد على تحليل القضايا العلمية والرياضية المنطقية، وهي موضوعات صورية خالصة في المنطق والرياضة، وطبيعية مادية في العلوم الطبيعية.

وهو خطاب يحاول الوصول إلى أكبر درجة من الدقة والموضوعية والتخلص من الذاتية والشخصية. وسائل التحقق من صدقه جزء منه، حتى يمكن الوصول إلى قوانين عامة، يتم من خلالها السيطرة على الطبيعة والتحكم في الذهن البشري عن طريق معرفة قوانين الفكر.

ويبدو أن أنواع الخطاب في الأدبيات المعاصرة قد تم استبعادها لحساب عمومية الخطاب وإخضاعه لمنطق لغوي ومنهج تحليلي واحد.

وقد اتجهت المدارس اللغوية المعاصرة نحو الشكل دون المضمون، وبالتالي لم تُعن إلا بالألفاظ والتراكيب، دون عناية بالمضمون. الخطاب أصوات ونبرات، أكثر منه معاني ودلالات. وتترك الدراسات اللغوية المعاصرة أنواع الخطاب إلى ميادينها خارج علم اللسانيات العام.  

فالخطاب الديني جزء من الفكر الديني، والخطاب الفلسفي أحد موضوعات الفلسفة، والخطاب الأخلاقي موضوع من موضوعات الأخلاق، والخطاب القانوني جزء من منطق القانون، والخطاب التاريخي يدخل في فلسفة التاريخ.

والخطاب الاجتماعي السياسي جزء من العلوم الاجتماعية والسياسية، والخطاب الأدبي الفني جزء من علوم النقد، والخطاب الإعلامي المعلوماتي الموضوع الرئيسي لعلوم الاتصال، والخطاب العلمي المنطقي جزء من فلسفة العلوم.

* د. حسن حنفي أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة.

المصدر | الاتحاد الظبيانية