الخميس 30 يوليو 2020 03:25 م

الاقتصاد والعنف وأفكار الهامش

تطورات متناقضة بدأت تدفع نحو إسقاط ترامب في الانتخابات المقبلة.

"من الصعب عليك إقناع شخص بفكرة ما إذا كان معاشه يعتمد على عدم تَصْديقها".

بعض الإنجيليين الجدد صاروا يتكلمون بلغة "اللاسامية" ومفرداتها ويعتقدون، مثل هتلر، أن اليهود وراءها.

قد تنتهي انتخابات الرئاسة الأميركية وتحسم نتائجها يوم 4 نوفمبر لكن آثارها قد تُخلّف تشوهاتٍ عميقة في المجتمع الأميركي برمته.

يخشى جمهوريون كثر انفراط حزبهم إن فاز ترامب فوقفوا ضده لأنه جاء من الهامش لا من داخل المؤسسة التقليدية: الجمهورية أو الديمقراطية.

*     *     *

حضرت عام 1962 العرض الثاني لفيلم اسمه "إلمر غانتري"، (Elmer Gantry)، المأخوذ عن قصة الكاتب الأميركي سنكلير لويس (1885-1951)، وهو أول أميركي ينال جائزة نوبل في الآداب.

تدور القصة حول داعية ديني استغلالي، يتناول المشروب والسجائر ويلاحق النساء، لكنه يجد في فتاةٍ داعية صادقة وسيلته إلى المجد. ويشرح الكتاب الذي نشر عام 1927 كيف تنمو الحركات الدينية الجديدة في الولايات المتحدة.

أما الكاتب صاحب الفكر الاجتماعي (الاشتراكي)، أبتون سنكلير Upton Sinclair (1968-1878)، والذي وضع عدة كتب مهمّة، وقاد حركة في كاليفورنيا اسمها "إنهاء الفقر في كاليفورنيا"، فقد أرّخ للولايات المتحدة في فترات ظهور الثراء الفاحش فيها.

ولم ينس أن يكتب عن معاناة العاملين في المصانع والمحاجر التي تسببت في غنى الطبقة الثرية، مثل عمال مناجم الفحم الحجري، وعمال البترول، وعمال صناعة السيارات ومعامل الحديد وغيرهم.

لكن أهم كتاباته تركزت على غياب الحرية الصحافية في الولايات المتحدة. وقال إنها صحافة النظريات والأفكار السائدة التي تخدم الرأسمالية. وله جملة شهيرة "من الصعب عليك إقناع شخص بفكرة ما إذا كان معاشه يعتمد على عدم تَصْديقها".

والآن بدأت تظهر من جديد على السطح في الولايات المتحدة نظرية قديمة، صارت تكتسب زخماً في عصر "الإيفانجيليين الجدد"، اسمها نظرية الهامشFringe Theory.

وهي تشير إلى أي فكرة أو نظرية تختلف مع النظريات السائدةMainstream Theories وهذه ليست ظاهرة حديثة، ولا محصورة في مجال علمي محدّد أو نشاط إنساني معين، بل تمتد إلى كل العلوم الحياتية الاجتماعية والفنون.

وفي مجال الدين تحديداً، كثيراً ما يطلق على "دعوات الهامش" اسم Pseudoreligions، بالمعنى الساخر المرافق لها، وتسمى "بدعاً". باعتبار البدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

لهذا تجد أصحاب هذه الأفكار التي تقع على هامش الأفكار السائدة يلجؤون إلى الوسائل المختلفة بكل عنفوانٍ لنشر أفكارهم. ومنهم بالطبع من يلجأ إلى العنف، ما يجعل هذه الحركات مستهدفة عسكرياً وأمنيا وثقافياً.

والنقاش الذي يدور الآن في الولايات المتحدة حول "الإيفانجيليين الجدد"، خصوصاً في هذه السنة (2020)، حامي الوطيس ومُسيَّس. وهنالك فئة منظمة تطلق على نفسها QAnon، يعرف مؤسسها باسم "Q"، وهي تسعى إلى تفسير كل ما يجري على أساس أنه مؤامرة من المؤسسة العميقة لإسقاط الرئيس دونالد ترامب في الانتخابات الأميركية في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل.

ويقوم رجال الدعاة في الكنائس الخاصة بهذه الحركة إما بتفسير ظاهرة معينة أنها جزء من "مؤامرة ضِدَّ ترامب الذي يرون فيه المخلص من شرور الدولة العميقة ومؤسساتها، أو يشرحون الأنباء الأخيرة ويعيدون قراءتها وترتيبها لتنسجم مع الإطار العام بأن هنالك مؤامرة ضد ترامب.

من هم أتباع ترامب؟

إنهم في غالبيتهم من عمال الياقات الزرقاء وعدد أقل من أصحاب الياقات البيضاء، ونساء كثيرات غير جامعيات وبعض قليل من الجامعيات، وقد وجد هؤلاء في ترامب خلاصهم من كل ما كان يحول بينهم وبين الحصول على حياة كريمة.

الرؤساء الذين سبقوه، خصوصاً باراك أوباما ومن قبله بيل كلينتون وحتى جورج بوش الابن، قبلوا العولمة، وحوّلوا الصناعات إلى خارج الولايات المتحدة، وتبنّوا سياسات بيئية منعت إنتاج النفط من الصخر الزيتي، وفتحوا باب الاستيراد إلى أسواقهم، ما قتل صناعات أميركية كثيرة، وسمحوا للمهاجرين من أميركا اللاتينية بالدخول، ليزاحموا العمال الأميركيين على وظائفهم وفرص عملهم.

ولهذا وجد كثيرون من هؤلاء في الولايات الصناعية (إلينوي، إنديانا، ويسكونسن، فلوريدا، ميتشيغان وغيرها) أن دخلهم تراجع، ولم يعودوا قادرين على الحياة التي تعودوا عليها.

والفرد الأبيض العامل لم يمانع سابقاً في السماح للأميركان من أصول أفريقية أن يحصلوا على حصةٍ من الوظائف وفرص العمل، ولكنهم ربطوا كل فكرة العولمة، والانفتاح الاقتصادي، والتعامل مع الصين، بفكرة المؤامرة ضدهم وعلى مصالحهم.

هذه هي الخلفية الاقتصادية التي مكّنت "الإيفانجيليين" من أن يكسبوا ولاء هؤلاء العمال، فقدّموا لهم أفكاراً جديدة على الهامش، وأقنعوا الناس أن الأقليات واليهود واللاتينيين وغيرهم يتآمرون، لكي يخسر الرئيس ترامب في الانتخابات.

وفِي البداية، شجعت اللوبيات اليهودية والصهيونية المساندة لإسرائيل هذه الحركات، واعتمدت عليها في بناء نفوذها داخل الولايات المتحدة. ومن هنا، جاء تأييد الحركة الصهيونية للرئيس ترامب، ومن خلفه المتدينون.

ونجحوا في نقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة، وفي تشجيعه إسرائيل على ضم الأراضي وتطبيق ما تسمى صفقة القرن. لكنهم سرعان ما اكتشفوا، من ناحية أخرى، أن الرئيس، ومن ورائه المتدينون، صاروا يستهدفون المؤسسات الإعلامية، والبنوك، والتجارة المفتوحة، ويتدخلون في سياسة البنك الفيدرالي الاحتياطي "البنك المركزي" والجامعات التي تتمتع فيها الجالية اليهودية بالقوة، والتي أصبحت نقاط استهداف للرئيس ترامب.

هذه التطورات المتناقضة بدأت تحسم لصالح إسقاط ترامب في الانتخابات المقبلة،

وجاءت جائحة وباء كورونا لتعزّز موقفهم، لأنها هدّدت الاقتصاد الأميركي، والفوائد التي حققها ترامب للمتحمسين له من البيض. ومما زاد الأمر حسماً أن بعض الإنجيليين الجدد صاروا يتكلمون بلغة "لاسامية" ومفرداتها، ويعتقدون، مثل هتلر، أن اليهود وراءها.

لذلك بدأ جمهوريون كثيرون يخشون على انفراط حزبهم إن فاز ترامب. ومن هنا، وقفوا ضده، لأنه سياسيٌ جاء من الهامش، وليس من داخل المؤسسة التقليدية، سواء الجمهورية منها أم الديمقراطية.

قد تنتهي الانتخابات الرئاسية الأميركية وتحسم نتائجها في يوم الرابع من نوفمبر، ولكن آثارها ربما تُخلّف تشوهاتٍ عميقة في المجتمع الأميركي برمته.

 د. جواد العناني سياسي وخبير اقتصادي، نائب رئيس الوزراء ورئيس الديوان الملكي الأردني الأسبق.

المصدر | العربي الجديد