الجمعة 31 يوليو 2020 09:57 ص

استمرار نجاح النموذج التركي

ما أحوج العرب أيضا لحماية استقلال دولهم ومصالح شعوبهم.

مازال النموذج التركي نموذجا مؤثرا فاعلا بل تزداد قيمته أهمية في المرحلة القادمة.

ما لا يعيه النظام العربي أنه يساهم في قوة تركيا وفي إعطائها مزيدا من النفوذ والشعبية في الشارع العربي.

الندية في الإقليم هي أكثر ما يثير الحركة الصهيونية لهذا تعمل على إضعاف تركيا كما سبق لها وأضعفت العرب.

ما أحوج العرب لعقد سياسي جديد بين الدولة والمجتمع وبين الحاكم والمحكوم وبين قوى سياسية تشكل الوطن ضمن مشروع واضح للبناء والحقوق.

*     *     *

تبدو تركيا وكأنها خرجت من نكبتها التي ألمت بها في الحرب العالمية الاولى 1918، فتركيا تنفض اليوم عن نفسها غبار تلك الهزيمة، وذلك من خلال بناء دولة منيعة، اقتصاد جبار، وسياسات مستقلة تحمل الكثير من الرمزية والكبرياء عن دوائر القرار العالمية والغربية.

لقد استطاعت تركيا لأول مرة أن تقول لا للولايات المتحدة عندما رفضت مرور القوات الأمريكية عبر أراضيها لغزو العراق عام 2003. كان ذلك موقفا جديدا يعكس هوية تركيا وبداية نهضتها الجديدة.

بل والأهم أن تركيا نجحت في إعادة بناء اقتصادها، وفي أن تكون دولة أوروبية ثم بنفس الوقت دولة شرقية لديها كل الاهتمام في الغرب كما وفي الشرق.

لقد تحرك القطار التركي منذ مجيء حزب العدالة والتنمية التركي، فخلال 20 عاما قطعت تركيا شوطا كبيرا في بناء القوة الناعمة كما والقوة والصلبة.

لكن الأهم أن تركيا نجحت دستوريا في التخلص بأسلوب سلمي من حكم الجيش المطلق. في تركيا عاد الجيش للثكنات وتراجعت الدولة العميقة بكل تجاوزاتها.

ورغم كل الانتقادات الموجهة لتركيا، لازالت تركيا دولة مدنية تعددية، فبرلمانها وشارعها يشهد معارضة فاعلة، وما خسارة العدالة والتنمية لموقع محافظ إسطنبول، وفوز أردوغان بنسبة 52.55 في المئة بينما حصل المنافس على نسبة 30 في المئة في انتخابات 2018 إلا تأكيد على طبيعة هذه التعددية.

في الانتخابات التركية يوجد تنوع ومعارضة علمانية وطنية وكردية معلنة، كما أن مقدرة أنصار أردوغان وأعضاء حزبه على الاختلاف العلني مع عدد من سياساته والقيام بناء على ذلك بتأسيس تيارات منافسة دليل على أن تركيا لا تشبه الحالات العربية حيث الفردية المطلقة والرفض الشامل لكل رأي مختلف.

لقد دخلت تركيا بنزاع كبير مع حركة فتح الله غولن، لكن ذلك تم بعد انقلاب 2016 الدموي، لقد نجحت تركيا بإخراج معظم من تم اعتقالهم منذ الانقلاب.

هناك حتما معاناة حقوقية لكثيرين مرتبطين بحركة غولن في تركيا، لكن بنفس الوقت هناك حدود لا يستطيع النظام السياسي تجاوزها، ليس لأنه لا يريد، بل بسبب التعددية والقيود على السلطة السياسية وبسبب القوانين البرلمانية والدستورية والحقوقية وبسبب الحق بالمعارضة العلنية.

وبينما يطفو على الدوام في إيران المشروع الأيديولوجي ودوره الذي لم ينجح في مجال الاقتصاد، يبقى المشروع التركي قادرا على التوازن، فقد نجح في أخذ الضوء الأخضر من الولايات المتحدة في مناطق مختلفة من الإقليم العربي، كما ونجح في التفاهم مع روسيا وإيران ضمن ميزان للقوى يؤكد مكانته.

فتحت الحرب الأهلية في سوريا والعراق الباب للقوات التركية لتكون في العراق وسوريا. كما لم يستطع الحل العربي أو الخليجي منع اندلاع الحروب الأهلية في سوريا والعراق واليمن وغيرها أو الحد من قدرة تركيا وروسيا وإيران على ملء الفراغ الناتج عن تراجع الولايات المتحدة دوليا وإقليميا.

هذا تأكيد على أن القوى الإقليمية غير العربية تتحرك لملء الفراغ في الإقليم العربي، وهنا ترتفع إمكانيات وفرص النموذج التركي بسبب تميزه وتماهيه مع أجزاء رئيسية من الشارع العربي.

إن قدرة تركيا على حماية دولة قطر في لحظة تاريخية حاسمة في العام 2017، لا تقل قيمة عن قدرة الكويت وأميرها الشيخ صباح الأحمد على التحرك لإبقاء الأزمة خارج حدود العمل العسكري والتصعيد المغامر.

لننظر للدور التركي في ليبيا، فبعد حرب أهلية صعبة ومعقدة ومدعومة من الخارج من خلال دور الجنرال حفتر، أدى التدخل التركي في 2020 لمنع قيام الجنرال ببناء نظام عسكري يشبه ذلك القائم في مصر. التدخل التركي حمى حكومة الوفاق في طرابلس لكنه بنفس الوقت ثبت وقائع سياسية جديدة.

وبينما كانت تركيا منذ 1948 الأقرب لإسرائيل في زمن الكمالية وفي زمن سيطرة الجيش، لكن تركيا الجديدة أصبحت ندا جديدا لإسرائيل ومشروعها الاستيطاني.

لقد أدى هذا التغير لرفع مكانة تركيا بين تيارات شعبية عربية عدة بما فيها التيارات الحقوقية والتيارات الإسلامية العربية. إن تخلي عدد من الدول العربية عن مواقفها التاريخية تجاه القضية الفلسطينية دفع بتركيا لتأمين التوازن عبر مستويات مختلفة تشمل الدعم السياسي والعسكري والإعلامي للقضية الفلسطينية.

هذا لا يعني تخليا عربيا شاملا، بل استمرت عدة دول عربية كالكويت وقطر وتونس والجزائر والمغرب في التزامها تجاه القضية الفلسطينية. وهذا لا يعني أن تركيا قطعت علاقاتها مع إسرائيل، لكن تركيا الدولة العضو في الناتو قادرة على استعراض القوة والثبات في مواقفها تجاه التجاوزات الإسرائيلية.

الندية في الإقليم هو أكثر ما يثير الحركة الصهيونية، وهي لهذا تعمل على إضعاف تركيا كما سبق لها وأضعفت العرب. هذا الجانب مجال للصراع في المراحل القادمة.

لقد أصبحت تركيا المكان الذي يذهب إليه المعارضون العرب من كل المدارس. كان ذلك الوضع اختصاص لندن وبيروت، بينما أصبحت تركيا هي البديل والمتنفس.

لكن تركيا أيضا هي الأكثر استفادة من هجرة المعارضين العرب إليها. هذه الهجرة لتركيا قد تسر بعض الدول العربية التي تشعر بأنها تخلصت من المعارضة، لكن هذه الهجرة تقوي بنفس الوقت المشروع التركي وتضيف إليه. ففي تركيا تقع الحوارات بين تجمعات عربية كبيرة حول المشهد العربي والمستقبل.

ما لا يعيه النظام العربي أنه يساهم في قوة تركيا ويساهم في إعطائها مزيدا من النفوذ والشعبية في الشارع العربي. فاعتقاد البعض أن السيطرة على تويتر والفضاء الافتراضي هي سيطرة على الواقع، ليست في مكانها.

الحقيقة الشعبية تجاه النظام العربي هي على النقيض الكامل مما يطرح عبر الحسابات المدفوعة والمؤجرة والمحسوبة على جهات أمنية ودول في مواقع التواصل الاجتماعي.

ما أحوج العرب لعقد سياسي جديد بين الدولة والمجتمع والحاكم والمحكوم وبين القوى السياسية المختلفة التي يتشكل منها الوطن وذلك ضمن مشروع واضح للبناء والحقوق. لكن ما أحوج العرب أيضا لحماية استقلال دولهم ومصالح شعوبهم.

في هذا المجال: مازال النموذج التركي نموذجا مؤثرا فاعلا، بل يبدو أن قيمة هذا النموذج ستزداد أهمية في المرحلة القادمة.

* د. شفيق ناظم الغبرا أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت

المصدر | القدس العربي