هل ينهي كورونا «شرطيَّ العالم»؟

هل يكون هذا الوباء العامل الحاسم في تراجع أمريكا عن الهيمنة العالمية؟

يُرجّح أن يُنظر إلى ممارسة دور الشرطي في العالم على أنها من أولويات الأمس، وأن تكون مرشّحاً أساسيّاً للنَّبْذ.

مع عجز الميزانية الأميركية لعام 2020 المُقدَّر بتريليون دولار وتضاعف ثلاثة مرات ستكون حسابات شاقة في تخصيص مواردنا المتضائلة بعد إعادة فتح الدولة.

*     *     *

عندما أعلن الرئيس ترامب، في مارس / آذار أن الاقتصاد الأمريكي قد يعاد فتحه بحلول عيد الفصح، تعرّض لسخرية شديدة.

ومع ذلك، يبدو أن غرائزه السياسية كانت صائبة. وكان أكثر انسجاماً مع بلاده من منتقديه.

في أوائل أسبوع عيد الفصح، شكل الحاكم أندرو كومو، وحكام ستّ ولايات في منطقة نيويورك - نيوجيرسي، ائتلافاً لمزامنة فتح اقتصاداتهم. وفعل غافين نيوسوم، حاكم كاليفورنيا وحاكما واشنطن وأوريغون الشيء ذاته.

فأمريكا لا تستطيع أن تبقى مغلقة لشهور دون إلحاق ضرر دائم بأسباب معيشة وحياة الملايين من مواطنيها، الذين هنالك أكثر من عشرين مليون أمريكي الآن منهم عاطلون عن العمل.

ومع ذلك، فإن شيئاً ما هزّ الإجماع الذي كان يتشكل على الحاجة إلى إعادة الفتح في القريب العاجل، فقد بلغت الولايات المتحدة أرقاماً قياسية في أعداد الوفيات بسبب الفيروس.

لم تسجل الولايات المتحدة أولى إصاباتها القاتلة بفيروس كورونا حتى 29 فبراير / شباط. واستغرق الأمر 38 يوماً، ولكن الأمر استغرق تسعة أيام فقط ليقفز عدد الوفيات من 10 آلاف إلى أكثر من 30 ألفاً.

وحتى لو خفضنا معدل الوفيات اليومية إلى ألف حالة وفاة يومياً، فسوف يعني ذلك 44 ألف ضحية أخرى وزيادة عدد الوفيات على 100 بنهاية يوليو / تموز.

ولا ندري ما إذا كانت النجاة بعد الإصابة بفيروس كوفيد- 19، تجعل الشخص محصّناً من عدوى جديدة. وحيث إن الخبراء الطبيين يتوقعون موجة ثانية من الفيروس في أواخر الصيف أو في الخريف، فإن هذا ليس بالأمر الهيّن.

وعندما نرى ما حدث على حاملة الطائرات تيودور روزفيلت، ندرك أنه يمكن أن يكون لفيروس كورونا تأثير كبير في الالتزامات العالمية للولايات المتحدة.

كان الأمريكيون يعودون إلى الوطن بالفعل من الشرق الأوسط، ويسحبون قواتهم البالغ عددها 12 ألفاً من أفغانستان، بعد اتفاق مع طالبان، وينقلون جنودهم ال 5 آلاف في العراق إلى قواعد أقلّ. كما أن القوة الناعمة الأمريكية أيضاً، تتراجع من العالم.

وقد أعيد نحو 10 آلاف متطوع من فيلق السلام إلى الوطن. وأعيد عشرات الألوف من المواطنين الأمريكيين إلى وطنهم من قِبل وزارة الخارجية. وأغلقنا الباب إلى أوروبا، والصين والعالم.

وماذا سيحدث الآن ل «التمحور» الجيوستراتيجي الأمريكي، وتحويل الطائرات، والجنود والسفن والقواعد من الشرق الأوسط والشرق الأدنى إلى مسرح الهند والمحيط الهادئ لاحتواء الصين الصاعدة؟

حاملة الطائرات روزفلت، عاث بها فيروس كورونا فساداً.. وهنالك أربعة آلاف بحار في «غوام» في مراحل مختلفة.

ولكنْ ليست روزفلت وحدها. كل سفينة حربية أمريكية - حاملات الطائرات، والطرادات، والفرقاطات، والمدمرات، والغواصات - ضيّقت مرافقها التي يمكن أن تؤدي إلى انتشار الفيروس.

والسؤال نفسه مطروحٌ حول ثكنات الجيش والبحرية الأمريكية في كوريا الجنوبية، واليابان وأستراليا وأوكيناوا.

هنالك ادعاءات بأن فيروس كورونا لم ينشأ في «الأسواق الرطبة» في ووهان، حيث تباع الخفافيش للأكل، بل انفلت عن طريق غلطة فظيعة من مختبر للأسلحة البيولوجية الصينية على بعد بضعة أميال.

ومهْما تكن الحقيقة، فإن فيروس ووهان يبدو أنه أصبح أكثر الوسائل فاعليّةً في شلِّ قوة الولايات المتحدة الصلبة والناعمة التي واجهناها منذ عقود عديدة.

من أولئك ال 10 آلاف متطوع من متطوّعي فيلق السلام، وعشرات الألوف من الأمريكيين الآخرين الذين أعيدوا إلى وطنهم، كم من جنود «القوة الناعمة» هؤلاء سيعودون بعد أن يقضوا خارج البلد المضيف 18 شهراً؟

هل يكون هذا الوباء العامل الحاسم في تراجع أمريكا عن الهيمنة العالمية؟

مع العجز في ميزانية الولايات المتحدة لعام 2020، المُقدَّر في الأصل بتريليون دولار، والذي بات ثلاثة أضعاف ذلك الآن، ستكون هنالك حسابات شاقة في تخصيص مواردنا المتضائلة بعد إعادة فتح الدولة.

ومن المرجح أن يُنظر إلى ممارسة دور الشرطي في العالم على أنها من أولويات الأمس، وأن تكون مرشّحاً أساسيّاً للنَّبْذ.

* باتريك بيوكانن مؤلف وصحفي أمريكي ومترشح رئاسي سابق.

المصدر | الخليج - الشارقة