السبت 1 أغسطس 2020 11:50 ص

مناهج تحليل الخطاب

أصبح التحليل شكلاً بلا مضمون فكري أو نفسي أو أساس اجتماعي.

لا مناهج محددة لتحليل الخطاب فالمنهج يتطلب تركيبا وترتيب خطوات مما يتنافى مع التحليل.

تحليل الأحلام يذهب لما وراء الألفاظ والصور والخيالات لمعرفة دلالاتها النفسية الواعية واللاواعية.

تحليل الألفاظ يهدف لضبط استخدام الألفاظ والتراكيب أو استبدالها ووضع رموز بدلاً منها، دفعاً للاشتباه وسوء استخدام الألفاظ.

تغيب الغاية من التحليل والقصد منه وكأن اللغة مجرد أشكال وتراكيب، صياغات فارغة، فقرات وأصوات، وعلامات ورموز بلا مضمون وقصد.

تحليل اللغة منهج غالب في تحليل نصوص الفلسفة يبدأ من المنهج الأول ويوسع مجاله، ولا يتوقف عنده، بل ينتقل من اللفظ إلى المعنى، ومن المعنى إلى الشيء.

*     *     *

لا توجد مناهج محددة لتحليل الخطاب؛ فالمنهج يتطلب التركيب وترتيب الخطوات، وهو ما يتنافى مع التحليل. لذلك غلب على الدراسات المعاصرة في تحليل الخطاب التحليل الجزئي المتناهي في الصغر، والذي يصعب ضم نماذجه في مناهج كلية يمكن تطبيقها.

لذا غلب عليها الطابع النظري أكثر من الطابع العملي، والوصف والسرد دون التعقيد والتوجيه، والدراسات الميدانية الإحصائية التجريبية، دون بناء نظري أو نموذج عملي. لذلك فهي أقرب إلى الدراسات المهنية الحرفية التي ينقل أعلامها عن بعضهم البعض.

فيؤسسون أدبيات خاصة يتناقلونها فيما بينهم في دوائر مغلقة تعرف باسم اللسانيات التطبيقية، القائمة على تحليل لغة التداول والخطاب الشفاهي، والخطاب في الحياة اليومية والحوار والمشافهة، وأحيانا حديث النفس، وليس النصوص العالمة (الدينية، أو الفلسفية، أو الأدبية، أو التاريخية، إلى آخر المعروف من أنواع الخطاب).

وتحليل لغة التداول هو عَود إلى الكلام الشفاهي قبل التدوين؛ أي عَود إلى البدائية. كما أن التفكيكية تحول الكلام إلى وحدات كتابية، وكلاهما خروج عن بؤرة الخطاب باعتباره قصداً وغاية وحركةً وباعثاً وصراعاً.

تغيب الغاية من التحليل والقصد منه، وكأن اللغة مجرد أشكال وتراكيب، صياغات فارغة، فقرات وأصوات، علامات ورموز، قلب وعدل للعبارات في الحوار، بلا مضمون وقصد. كل ذلك على المستوى الأول في تحليل الخطاب؛ أي اللغة المستقلة عن المعاني والأشياء والأفعال.

كما ارتبط تحليل الخطاب في الدراسات المعاصرة بتعلم الكلام وتحصيله، وباضطرابات الكلام؛ أي بعلم النفس المرضي. وأصبح التحليل شكلاً بلا مضمون فكري، أو نفسي، أو أساس اجتماعي.

لذلك، يغيب الخطاب الفكري، أو المقال الفلسفي، لإثبات التحليل والتركيب، وكأن التحليل غاية في ذاته، وليس وسيلةً للكشف عن مضمون فكري، أو نفسي، أو اجتماعي. غاب الفكر باعتباره قصداً، والقصد باعتباره إحالة متبادلة إلى العالم ومعه.

كما أدى التجريد والتعميم، واللغات المقارنة، إلى القضاء على خصوصية اللغات وتعبير كل منها عن بنية ثقافية وتراكم تاريخي طويل، وطبيعة الفروع اللغوية، خاصة السامية والآرية، وسيادة اللغات الآرية، خاصة الإنجليزية، وتعميم نتائجها على باقي اللغات.

كما أن مادة التحليل مستمدة في معظمها من نصوص شفاهية، أو مدونة غير دالة، لا معنى لها، تصل إلى حد اللغو وإزاحة النصوص الدالة، مثل النصوص الدينية الهادفة إلى توجيه الأفعال وتقنين قواعد السلوك.

ومع ذلك، يمكن التمييز بين أربعة مناهج في تحليل الخطاب:

1- تحليل الألفاظ؛ ويهدف إلى ضبط استخدام الألفاظ والتراكيب، وربما استبدالها ووضع رموز بدلاً منها، دفعاً للاشتباه وسوء استخدام الألفاظ. وقد استعمل المناطقة هذا المنهج، ابتداءً من مبحثي المقولات والعبارة لأرسطو، إلى الوضعية المنطقية المعاصرة. كما استعمله المناطقة الرياضيون في المنطق الرمزي.

2- تحليل اللغة؛ وهو المنهج الغالب في تحليل النصوص الفلسفية، ويبدأ من المنهج الأول ويوسع مجاله، ولا يتوقف عنده، بل ينتقل من اللفظ إلى المعنى، ومن المعنى إلى الشيء. ويقوم على التمييز بين الإنشاء، كما هو الحال في القضايا الأدبية، والخبر، كما هو الحال في القضايا العلمية، بين التحليل والتركيب، الأول في القضايا الرياضية، والثاني في القضايا العلمية.

3- تحليل الأحلام؛ بالذهاب إلى ما وراء الألفاظ والصور والخيالات، لمعرفة دلالاتها النفسية الواعية واللاواعية. ويقوم بذلك صاحب الحلم نفسه، أو المحلل النفسي. ومثال ذلك، تحليل السيرة الذاتية وأحاديث النفس (المونولوغ).

وهو منهج يكشف البعد النفسي الغائب في منهج تحليل الألفاظ ومنهج تحليل اللغة. فاللغة ليست مجرد تراكيب وبُنَيات، بل هي مؤشرات على مقاصد ودلالات أعمق. المسكوت عنه هو أساس المنطوق.

* د. حسن حنفي أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة

المصدر | الاتحاد الظبيانية