الأحد 9 أغسطس 2020 09:28 ص

لبنان: لولا الناس لكانت الجنة نفسها جحيما

الحيوية الفائضة الأمل الوحيد المتبقي في لبنان المنكوب بسياسييه المجرمين وإدارييه القاصرين ووجهائه التافهين.. بيروت جميلة رغم كل جراحها.

*      *     *

يُظهِر الناس تضامناً فيما بينهم، مدهشاً في قوته وفي تلقائيته. كان من المفترض أن المأساة الاقتصادية والمعيشية التي تلفّهم منذ أشهر (على الأقل)، قد تمكنت من خنق مشاعر الغَيرية، وأنه صار كل واحد متقوقع على نفسه، وبالكاد قادر على "حمل همّه" الشخصي، وهَمّ المحيطين المقربين منه.

كان الجوع يتربص بهم، ومعه ذلك الشعور المدمّر بانعدام أي أفق لحل، وهو أقسى من الجوع نفسه.

الانفجار المروع للمستودع في المرفأ، والدمار الذي لحق ببيروت فاق ما يمكن للخيال تصوره، على الرغم من "تجربة" مديدة لناس هذا البلد مع الحروب والمآسي:

هنا سقط بلمح البصر، وخارج أي إطار من التوقع، مئات القتلى وآلاف الجرحى، وصار هناك مفقودون ومشردون، وعائلات خسرت القليل الذي كان متبقياً لها، ومعه الستر الذي كانت تتحصن به.

هذه نداءات تعرض المساعدة وهي طبعا تقدّم مجاناً. مجموعة شابات يتكفلن بايصال ما يلزم للمحتاجين اليه، مع أرقام هواتفهن، وهن متوزعات على كل مناطق لبنان.

أطباء يعالجون الجرحى في عياداتهم لأن المستشفيات لم تعد قادرة على الاستيعاب، مختصون بالعلاج النفسي يشجعون من يعاني من الصدمة على الاتصال بهم، صيادلة يمنحون الادوية اللازمة، نجارون وحدّادون يُصلحون النوافذ والابواب المخلّعة..

توجيهات من مجموعات المتطوعين للتركيز على حليب الاطفال والحفاضات اثناء جمع التبرعات، بيوت بالعشرات تعلن استعدادها لاستقبال من لم يعد مسكنه صالحاً، وأصحاب فنادق يضعون غرفاً بتصرفهم..

والشابات والشبان من كل مناطق لبنان وفدوا الى بيروت، نزلوا الى الشوارع – كل الشوارع - يزيلون الانقاض ويكنسون ويرممون الارصفة حتى اختفى ما كان البارحة.

لعل هذه الحيوية الفائضة هي الأمل الوحيد المتبقي في لبنان المنكوب بسياسييه المجرمين وإدارييه القاصرين ووجهائه التافهين.

... بيروت جميلة على الرغم من كل جراحها.

* نهلة الشهال كاتبة وناشطة لبنانية، رئيسة تحرير "السفير العربي".

المصدر | السفير العربي