الاثنين 10 أغسطس 2020 06:59 ص

خريطة العلوم والمعارف القادمة

الحياة لا تتوقف عند حدّ ويصبح إنجاز اليوم شيئاً من الماضي العتيق.

«إن مسالخ المدن اليوم أكثر نظافةً من غرف العمليات في مستشفيات القرن التاسع عشر».

في كل مرحلة من تطور العلوم كانت المعرفة تنمو بما يشبه «انفجار المعلومات والمعرفة».

تعيد «البرمجة الإدراكية» تشكيل العلوم الإنسانية لتعليم الحاسوب اللغةَ والتفكير كما يتعلم الإنسانُ نفسُه.

نشأت العلوم والمعارف وتطورت عبر ثلاث مراحل: صناعة الورق في القرن التاسع، والمطبعة في القرن 15، وأخيراً الحوسبة الشبكية.

*     *     *

تتبلور على نحو أكثر وضوحاً التحولات في الموارد والأسواق وما تبعها أيضاً من تحولات في الأعمال والمهن، ثم القيم المنظمة لأعمال وحياة الأمم والأفراد، وبطبيعة الحال فإن العلوم والمعارف والتخصصات فيها يعاد تشكيلها، أو تعيد تشكيل وتنظيم نفسها في اتجاه التحولات نفسها التي تجري اليوم وتغير في حياتنا ومؤسساتنا وعلاقاتنا.

ويعتبر الفارابي (ت 950) أول مَن وضع في الحضارة العربية الإسلامية (وربما الإنسانية) تصوراً للعلوم ونشأتها وتعريفها وعلاقتها ببضعها ومنافعها وأهميتها، وما زال كتابه «إحصاء العلوم» مرجعاً أساسياً في تاريخ الأفكار والعلوم.

وربما يكون هيغل قد اعتمد عليه في تصوراته للمعرفة والعلوم، ثم اعتمد ملفل ديوي (1851–1931) على هيغل في بناء خطته لتصنيف العلوم وتنظيم المعرفة في المكتبات ومراكز المعلومات.

وهو نظام التصنيف الأكثر استخداماً اليوم في المكتبات والجامعات، لكن إذا نظرنا في خطة ديوي لتصنيف العلوم سنجد فرقاً هائلا في حجم العلوم والمعارف بين عصرين، بل سنجد المعارف والعلوم في طبعة تصنيف ديوي الأخيرة لا تكاد تشبه طبعتها الأولى عام 1876.

لقد مرت العلوم والمعارف في نشوئها وتطورها بثلاث مراحل رئيسة تشبه الثورات، صناعة الورق في القرن التاسع الميلادي، والمطبعة في القرن الخامس عشر، وأخيراً الحوسبة والشبكية. في كل مرحلة كانت المعرفة تنمو على نحو يشبه «انفجار المعلومات والمعرفة».

وفي كل مرحلة تنشأ علوم وتخصصات ومهن وتختفي أخرى، وتتطور فئة ثالثة. وبالطبع فإن معظم ما لدينا اليوم من علوم ومعارف ينتمي إلى ثورة المعرفة الصناعية.

لكن الموجة الثالثة تنشئ ثورتها المعرفية، وتغير في خريطة العلوم، وسوف يتبعها بالتأكيد إعادة تنظيم المدارس والجامعات ومراكز الدراسات والتدريب والتأهيل المهني والمعرفي.

ويمكن بالملاحظة والتقدير العام أن نخمّن العلوم والمعارف الصاعدة والمتغيرة، فالبرمجة الحاسوبية التي هي أساس الثورة الصناعية الرابعة ليست علماً مستقلاً بذاته عن العلوم والتخصصات، لكنها تعيد وتغير الاهتمام بالعلوم والمعارف، لأن البرمجة هي تحويل المعرفة إلى رموز، أو أصفار وآحاد.

وبطبيعة الحال فإن أفق البرمجة في تطبيقاتها وتقدمها في الأعمال والمجالات المختلفة مستمد من قدرة الإنسان على فهم نفسه، لأنها ببساطة محاكاة الإنسان.

هكذا تصعد العلوم الإنسانية، كاللغات وعلم النفس والفلسفة وعلوم الحياة (البيولوجيا).. وسوف تُعاد صياغة ومعالجة هذه التخصصات من أجل تحويل اللغة وفهم الإنسان لنفسه وكيف يفكر أو يتذكر، إلى برامج حاسوبية تطبيقية.

إن «البرمجة الإدراكية» تعيد تشكيل العلوم الإنسانية من أجل تعليم الحاسوب اللغةَ والتفكير، كما يتعلم الإنسانُ نفسُه. وفي واقع الحال لن تكون علوم اللغة والنفس والفلسفة كما نعرفها اليوم في المدارس والجامعات!

وسوف يكون الفرق بين هذه العلوم والعلوم السابقة مثل الفرق بين طب ابن سينا والرازي وبين طب الجامعات والمستشفيات المعاصرة. وسوف يكون الفرق بين المدارس القادمة والمدارس القائمة اليوم مثل الفرق بين هذه وبين الكتاتيب التي كانت سائدة من قبل.

صحيح بالطبع أنها علوم ومؤسسات أنشأت حضارة وتقدماً إنسانيين كبيرين ومدهشين، وساهمت في تحسين الحياة، لكن الحياة لا تتوقف عند حدّ، ويصبح إنجاز اليوم شيئاً من الماضي العتيق.

يقول لويس ممفورد، في «تاريخ المدينة عبر العصور»، إن مسالخ المدن اليوم أكثر نظافةً من غرف العمليات في مستشفيات القرن التاسع عشر.

* إبراهيم غرايبة كاتب وباحث أردني

المصدر | الاتحاد الظبيانية