ترامب و«كورونا» والصين

بلورت كورونا تنافسا صينيا-أميركيا قد يصبح العنصر البنيوي في الوضع الجيوسياسي مستقبلا.

وصل الوباء أميركا فانهارت أسواق المال وانفجرت البطالة في بلد لا توجد فيه أي شبكة أمان اجتماعي.

إذا كانت الأزمة الحالية لا تسمح للصين بتجاوز أميركا فإنها سرّعت اللحاق بها وجعلتها مرئيةً بأعين العالم برمته.

معارضة الصين هي العنصر الوحيد في سياسة ترامب الخارجية الذي يُعد محل إجماع بين «الجمهوريين» و«الديمقراطيين».

قائمة ضحايا «كورونا» قد تشمل ترامب والولايات المتحدة فأزمة «كورونا» ربما وضعت حداً أيضاً لآمال ترامب في إعادة الانتخاب.

*     *     *

قائمة ضحايا «كورونا» في الولايات المتحدة لا تقتصر على الحالات مسجلة، وهي الأعلى في العالم، ولكنها ربما تشمل دونالد ترامب والولايات المتحدة، فأزمة «كورونا» قد تكون وضعت حداً أيضاً لآمال ترامب في إعادة الانتخاب.

وأضرت الجائحة بصورة واشنطن أكثر في العالم. كما أنها جاءت لتبلور التنافس الصيني-الأميركي، الذي قد يصبح العنصر البنيوي في الوضع الجيوسياسي للسنوات المقبلة.

في يناير 2020، بدا أن الحظ قد ابتسم لترامب وبدا أن فرصه في إعادة الانتخاب قد ازدادت. إذ حطّمت البورصة أرقاماً قياسية، وانخفضت البطالة إلى أدنى مستوياتها. وغني عن البيان أنه من الصعب هزم رئيس قادر على تقديم حصيلة اقتصادية بهذه الإيجابية في الانتخابات.

بل إن ترامب كان يستطيع التباهي أيضاً بالنجاح في وضع حد لتدهور الميزان التجاري مع الصين، وذلك بعد أن التزم الرئيس شي جينبينغ في يناير بشراء ما قيمته 200 مليار دولار من المنتجات الأميركية في السنة. آنذاك، كانت الصين تعاني من تفشي وباء «كورونا» ولم يكن أحد يتوقع بعد أن هذا الأخير سيمتد إلى كل أرجاء المعمورة.

غير أنه سرعان ما وصل الوباء إلى الولايات المتحدة، وانهارت أسواق المال الأميركية، وانفجرت البطالة في بلد لا توجد فيه أي شبكة أمان اجتماعي. وهكذا، تبدّدت فجأة كل موضوعات حملة ترامب الانتخابية. إذ سرعان ما أُنهك النظام الصحي، وازداد عدد الضحايا.

بيد أن ترامب وجد كبشي فداء من أجل صرف الانتباه عن مسؤوليته عما آلت إليه الأوضاع في البلاد: منظمة الصحة العالمية والصين. والجدير بالذكر هنا أن المؤسسات الدولية والنظام الدولي متعدد الأطراف لا تحظى بشعبية كبيرة في الولايات المتحدة، ناهيك عن في النواة الصلبة لناخبي ترامب.

ولا شك في أن إنهاء مساهمة واشنطن المالية في منظمة الصحة العالمية، ثم الانسحاب منها، لا يمكن إلا أن ينال رضا هذه الكتلة الناخبة. ثم إن هذا يتناغم مع سياسة نسف تعددية الأطراف التي ينتهجها الرئيس الأميركي.

أما في ما يخص للصين، التي ينظر إليها على أنها خصم استراتيجي واقتصادي، فإن الإشارة لها بأصبع الاتهام وتحميلها مسؤولية الوباء لا يمكن إلا أن يشنّفا آذان الأميركيين.

التنافس بين بكين وواشنطن، وبالنظر إلى صعوبات سياسة الرئيس الأميركي الداخلية، كان يتجه إلى أن يصبح عنصراً مركزياً في نقاشات ما قبل الانتخابات. ولم يكن ترامب سيكفّ عن اتهام الموشح «الديمقراطي» جو بايدن بالضعف إزاء الصين.

والحال أن معارضة الصين هي العنصر الوحيد في سياسة ترامب الخارجية الذي يُعد محل إجماع بين «الجمهوريين» و«الديمقراطيين». وبالتالي، فقد كان حتمياً أن تدفع اتهامات ترامب لبايدن إلى تشديد نبرة الأخير إزاء بكين، وهكذا، أضحت المواجهة بين البلدين، التي لم تكن حتمية، بنيويةً.

وحسب مركز «بيو» للأبحاث، فإن نسبة الرأي العام غير الراضي عن الصين في الولايات المتحدة انتقلت من 43 في المئة إلى 66 في المئة. وهكذا، أصبحت مهاجمة الصين مربحةً انتخابياً. غير أن هذا التنافس على الناخبين له عواقب جيوسياسية، ما يجعل من المواجهة مع بكين المحور الرئيس للدبلوماسية الأميركية.

في أفضل أحواله، لم يستطع الاتحاد السوفييتي بلوغ سوى 40 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي. أما الصين، التي كانت تمثّل 10 في المئة من الاقتصاد الأميركي في 2001، فإنها باتت تمثّل 65 في المئة منه منذ مدة.

والولايات المتحدة، المتوجسة، ترى أن الصين تُنازعها المرتبة الأولى العالمية التي يبدو لها من الطبيعي أن تتبوأها بسبب استثنائيتها. والحال أن الصين باتت تُمثل صدمة مزدوجة: ذلك أن الولايات المتحدة ستصبح متجاوَزة في نهاية المطاف، ولكن فضلاً عن ذلك، ستصبح متجاوَزة من قبل بلد آسيوي وشيوعي.

وختاماً، إن صورة الولايات المتحدة دولياً بخصوص إدارة هذه الأزمة كارثية. ذلك أن المقابر الجماعية في نيويورك شكّلت صورة رهيبة. ولأول مرة منذ 1945، لم تلعب الولايات المتحدة دوراً رئيسياً في أزمة عالمية.

وعلى غرار ما حدث لمنظمة الصحة العالمية أو في أفريقيا، سمح الانسحاب الأميركي للصين بدفع بيادقها إلى الأمام. وباء «كورونا» ظهر في الصين، ولكنه أصاب الولايات المتحدة أكثر من الناحية الصحية. والحال أن بكين ستعاني أيضاً بشكل أقل من الولايات المتحدة بخصوص تداعياته الاقتصادية.

وإذا كانت الأزمة الحالية لا تسمح لبكين بتجاوز واشنطن، فإنها سرّعت اللحاق بها وجعلتها مرئيةً في أعين العالم برمته.

* باسكال بونيفاس مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس

المصدر | الاتحاد الظبيانية