الأربعاء 12 أغسطس 2020 03:01 م

الحرب بدل السلام

الحرب بدل السلام: مائة عام من القومية والعسكرة في إسرائيل.

العسكرة الصهيونية "نزعة لحل مشكلات سياسية بطريق عسكرية ولجعل هذه الطريق شرعية ومتداولة".

"قومية إسرائيلية متشابكة مع أيديولوجيا العسكرة" سويةً "مع المركب الديني" يشكلان "عاملًا مركزيًا.

هذا العامل جرّ إسرائيل إلى الصراع والحروب على مدار مائة عام وعرقل التوصل إلى السلام كلما ظهر احتمال لتحقيقه".

الصهيونية "تجسّد [حركة] قومية إثنية وتشدّد أكثر شيء على مبادئ ثقافية مُحدّدة ناهيك بتشديدها على نزعة انتمائية صارمة".

إثنية قومية ليست فقط "نظرة تحافظ على خصوصية ثقافية ماضوية بل هي أيديولوجيا تؤسس الواقع بمفاهيم إقصاء وسيطرة ورقابة".

*     *     *

يعتبر كتاب عالم الاجتماع الإسرائيلي أوري بن إليعيزر "الحرب بدل السلام: مائة عام من القومية والعسكرة في إسرائيل" (2019)، من آخر المقاربات الإسرائيلية النقدية التي تقرأ مآل دولة الاحتلال ارتباطًا بالفكرة الصهيونية التي وقفت وراء إقامتها، منذ تأسيسها رسميًا قبل أكثر من مائة وعشرين عامًا.

وينطوي الفصل النظري الذي يستهل به المؤلف كتابه على أهمية خاصة، نظرًا إلى اشتماله على فرضياته الرئيسة التي يحاول أن يثبتها، وفي مقدمها:

- أن الصهيونية منذ بدايتها "تجسّد [حركة] قومية على أساس إثني، وتشدّد أكثر شيء على مبادئ ثقافية مُحدّدة، ناهيك بتشديدها على نزعة انتمائية صارمة".

- وبناء على ذلك، "ثمّة رؤية صهيونية-إسرائيلية خصوصية، تحتوي على قدر كبير من الثبات والأحادية حيال الصراع" مع الفلسطينيين والعرب، ما يؤجج، على نحو انشطاري، ثنائية "نحن" ("الشعب المختار") و"هم". وهذه هي فرضيته الثانية.

- الفرضية الثالثة فتذهب إلى أن الرؤية السالفة تنطلق من وجهة نظر مستندة إلى ظاهرتين متداخلتين ببعضهما بعضا يستحيل فصلهما:

الأولى، الإثنية القومية التي لا تعتبر في قراءته "نظرة تحافظ على خصوصية ثقافية على أساس الماضي فحسب، إنما أيضًا هي أيديولوجيا تؤسس الواقع بمفاهيم الإقصاء والسيطرة والرقابة".

والثانية هي العسكرة التي تعدّ "نزعة لحل مشكلات سياسية بطريق عسكرية ولجعل هذه الطريق شرعية ومتداولة".

- وتقول الفرضية الرابعة إن التداخل بين الظاهرتين يوجد حتمًا الخطر الكبير لاندلاع الحرب في أي وقت!

- فيما تُحاجج الفرضية الخامسة، وهي بمثابة محصّلة للكتاب برمته، بأن "القومية الإسرائيلية المتشابكة مع أيديولوجيا العسكرة" سويةً "مع المركب الديني" يشكلان "عاملًا مركزيًا جرّ إسرائيل إلى الصراع والحروب على مدار مائة عام، وكوّم العثرات أمام إمكان التوصل إلى السلام كلما ظهر احتمال لتحقيقه".

ولدى العودة إلى أصول الحركة الصهيونية، يرى بن إليعيزر أنه لا يوجد فارق جوهري بين التيار العمالي والتيار التنقيحي داخل هذه الحركة منذ تأسيسها، ويشدّد على أن الصهيونية اختارت بصورة عامدة منذ أولى خطواتها طريق القوة لتحقيق غاياتها الإثنية - القومية.

ويسجل بهذا الشأن أن منظمة هشومير (العمالية) التي أنشئت عام 1909 تعتبر أولى المنظمات التي عكست عدم الرغبة والجهوزية لتقاسم فلسطين مع العرب، وعكست ما يصفه بأنه "التصميم على استملاكها بقوة السلاح".

كما يسجل أن زعيم التيار التنقيحي، زئيف جابوتنسكي، يُعدّ الممثل الحقيقي للصهيونية التي لا ترتدي الأقنعة لإخفاء جوهرها الأيديولوجي، كما فعل التيار العماليّ ولا يزال.

يُضاف هذا الكتاب إلى مقاربات إسرائيلية نقدية أخرى توضح، من رؤيتنا، أن التوحش المتحكم بدولة الاحتلال، مؤسسات ورأيًا عامًا، سيما في الآونة الأخيرة، هو توحّش متراكم على أساس ما هو ثابت في الفكر الصهيوني بعمومه، ولم يكشّر عن أنيابه كنتيجة مباشرة لهيمنة قوى اليمين على المشهد السياسي - الحزبي منذ نحو عقد.

ولعلّ من أبرز هذه المقاربات التي فيها ما يناور مع استنتاجات بن إليعيزر الفكرية، أن إسرائيل هي، في ما آلت إليه، في عداد الدول حديثة العهد التي باتت مدمنةً بصورة دائمة على العُنف.

وقد اعتمدها أحد أساتذة العلوم السياسية الإسرائيليين، إثر انتهاء الحرب العدوانية على غزة عام 2012 (سُميّت إسرائيليًّا "عملية عمود سحاب")، مشيرًا إلى أن أحد تفسيرات ظاهرة الإدمان على العنف يتمثّل في ما يُسمى "عارض الضرورة"!

وهو عارضٌ يتعلق بظروفٍ توصف بأنها بنيوية ذات صلة بدولة معينة. ويتم تبرير عارض الضرورة، في حالة دولة الاحتلال، بأنها (الدولة) موجودة في وسط بيئةٍ معادية، قوامها جيران يتصفون بالعنف.

لهم مطالب أو أسباب أخرى لهذه المعاداة، بحيث تغدو الطريقة الوحيدة لاستمرار الوجود في مثل هذه البيئة هي استخدام العنف الفعال، بما في ذلك "العنف المانع"، بغية مواصلة البقاء، وهو مركبٌ راسخ جدًّا في ذهنية الإسرائيليين عمومًا، فضلًا عن أنه شكّل ولا يزال يشكل ماهية نظرية الأمن الإسرائيلية.

* أنطوان شلحت كاتب وباحث في الشأن الصهيوني

المصدر | العربي الجديد