كارثة أميركا التالية

كارثة ما كان يجب أن تحدث لكن بوسع المرء قول الشيء نفسه بشأن معظم ما حدث من أخطاء بالآونة الأخيرة.

يصر محافظون على أن مساعدة العاطلين في اقتصاد منكمش يضر بخلق الوظائف من خلال تثبيط همم العمال عن محاولة إيجاد وظائف.

الاقتصاد سيتعثر ثانية بصعود حالات كورونا مجددا.. والأوهام بشأن تعافي الاقتصاد تجعل محافظين ينغمسون في أفكارهم الخاصة بهم ويتعامون عن غيرها.

*     *     *

كان بعضنا يعلم منذ البداية أن دونالد ترامب لن يستطيع معالجة أزمة ليست من صنعه، لكن فداحة أزمة أميركا أمام جائحة كورونا أصابت الكثيرين بالصدمة.

وفي هذه المرحلة، تبلغ حصيلة ولاية فلوريدا وحدها من الوفيات يومياً ما يعادل تقريباً حصيلة كل دول الاتحاد الأوروبي الذي يبلغ عدد سكانه 20 ضعفاً لسكان الولاية الأميركية. فكيف حدث هذا؟

أحد العناصر المحورية في كبوتنا الحالية تلك المتمثلة في قصر النظر. ففي كل مرحلة من هذه الأزمة، رفض ترامب وحلفاؤه الاعتراف بوجودها أو الالتفات إلى الكوارث التي يدرك الجميع بوضوح أنها قادمة لا محالة.

والإنكار اللامبالي بأن «كوفيد-19» يشكل تهديداً، أفسح الطريق إمام إنكارات لا مبالية أخرى بأن إعادة الفتح السريعة ستؤدي إلى ارتفاع جديد في الإصابات.

ومع احتمال تصاعد الحالات في المستقبل، جاءت استجابة الحكام الجمهوريين للولايات بطيئة وعلى مضض، بينما لم يحرك البيت الأبيض ساكناً.

والآن لدينا كارثة أخرى، وهي هذه المرة اقتصادية وليست صحية، ربما لا يفصلنا عنها إلا بضعة أيام. ولفهم الهاوية التي أوشكنا على الوقوع فيها، يتعين أن نعلم أن تعامل أميركا إجمالاً مع «كوفيد-19» كان كارثياً، لكن هناك شقاً، وهو الاستجابة الاقتصادية، كان في الواقع أفضل مما توقع كثيرون.

صحيح أن قانون المساعدة والإغاثة والأمن الاقتصادي في مواجهة كورونا، وصياغته، قام بها إلى حد كبير «الديمقراطيون» وأقرته أغلبية من الحزبين في نهاية مارس، ورغم أن به عيوباً في الصياغة والتطبيق، لكنه ساهم كثيراً في تخفيف الصعوبات، وتقييد العواقب الاقتصادية لجائحة كورونا.

لقد عزز ذلك القانون بشكل هائل المساعدات للعمال الذين أقعدهم عن العمل الإغلاق الذي فُرض لكبح انتشار فيروس كورونا. والجدير بالذكر أن تأمين البطالة الأميركي لا يحتوي عادة إلا على حماية ضعيفة ضد الظروف غير المواتية.

فكثير من العمال لا تجري تغطيتهم، وحتى الذين تشملهم التغطية لا يتلقون في العادة إلا قسطاً صغيراً من أجورهم التي كانوا يتقاضونها في وظائفهم السابقة، لكن تغطية القانون امتدت، على سبيل المثال، لتشمل العمال المؤقتين والمتعاقدين.

وعزز القانون بشدة الإعانات لكل متلق، مضيفاً 600 دولار في شيك الدفع الأسبوعي. وهذه الإعانات المعززة قلصت المآسي التي كانت متوقعة من وراء أزمة قضت مؤقتاً على 22 مليون وظيفة،كما قلصت هذه الإعانات الفقر فعلياً، وفق بعض المعايير.

وساعدت الإعانات أيضاً على دعم بعض أجزاء الاقتصاد التي لم يجر إغلاقها. فلولا إعانات الطوارئ لاضطر العمال المسرحون من عملهم إلى تقليص الإنفاق في كل المجالات، ولأدى هذا إلى جولة ثانية كاملة من خسائر الوظائف والتقلص الاقتصادي، وأيضاً إلى خلق موجة كبيرة من مدفوعات الإيجارات المفقودة وعمليات الطرد.

لذا، فإن تعزيز إعانات البطالة كان بمثابة شريان إنقاذ حاسم لعشرات الملايين من الأميركيين. ولسوء الحظ، فكل المستفيدين لم يبق أمامهم إلا بضعة أيام قبل حرمانهم من شريان الإنقاذ هذا.

فالإضافة الأسبوعية البالغة 600 دولار التي تشكل معظم التوسع في الإعانات، ستتوقف خلال الأيام القادمة، كما انتهت أسابيع من الإعانات في نهاية يوليو المنصرم، ليجد ملايين العمال دخولهم تنخفض 60% أو أكثر بعد أيام قليلة من الآن.

ومر شهران منذ إقرار مجلس النواب مشروع قانون الإغاثة الذي سيوسع، بين أمور أخرى، الإعانات المعزَّزة حتى نهاية العام. لكن لا «الجمهوريين» في مجلس الشيوخ ولا مسؤولي البيت الأبيض أظهروا أي شعور بإلحاحية الأزمة الوشيكة.

وأحد جوانب الإجابة هو أن ترامب ومسؤوليه متأخرون عن مسار منحنى فيروس كورونا، إذ مازالوا يتحدثون عن تعاف سريع الصعود سيعيدنا بسرعة إلى درجة التوظيف الكامل، ما يجعل المساعدة الخاصة للعاطلين غير ضرورية.

ويغفلون فيما يبدو عما يراه كل الآخرين، وهو أن الاقتصاد سيتعثر ثانية مع صعود حالات كورونا من جديد. والأوهام بشأن حالة التعافي الاقتصادي تجعل المحافظين ينغمسون في أفكارهم الخاصة بهم ويتعامون عن غيرها.

فهم يصرون على أن مساعدة العاطلين عن العمل في اقتصاد منكمش يضر بخلق الوظائف من خلال تثبيط همم العمال عن محاولة إيجاد وظائف.

والقلق بشأن حوافز التوظيف في غمرة وباء أشد وطأةً من القلق بشأن هذه الحوافز في أعقاب أزمة مالية، لكن هذا القلق في قلب تفكير البيت الأبيض على ما يبدو.

وشيء وحيد أخير، وهو أني أشعر بأن رؤية «الجمهوريين» تعمي أبصارهم عن موقفهم التفاوضي. فهم لا يدركون فيما يبدو أنهم هم، وليس «الديمقراطيين»، من ستقع عليه اللائمة إذا وقع الملايين في أسْر الفاقة بسبب تأخر الإغاثة.

ووهمهم يدفع بهم إلى الحد الذي يجعلهم يتخيلون أنه بوسعهم انتزاع تنازلات، مثل الحصول على استثناء شامل للأنشطة الاقتصادية من استحقاق الجائحة.

وربما يدفع احتمال وقوع الكارثة «الجمهوريين» إلى تركيز أفكارهم، لكن الأكثر احتمالا فيما يبدو أننا نتجه نحو أسابيع، إن لم يكن شهوراً، من الضيق المالي الشديد لملايين الأميركيين، وهو ضيق سيعرقل الاقتصاد ككل.

وهذه الكارثة ما كان يتعين أن تحدث، لكن بوسع المرء قول الشيء نفسه بشأن معظم ما حدث من أخطاء في الآونة الأخيرة.

* بول كروغمان أكاديمي أميركي حائز جائزة نوبل في الاقتصاد

المصدر | خدمة «نيويورك تايمز»