الاثنين 24 أغسطس 2020 08:59 ص

المقاومة والاحتلال: آفاق التصعيد وحدوده

السؤال الذي يطرح نفسه: هل إسرائيل حقا معنية بمواجهة مع المقاومة؟

يحمل التصعيد المتواصل بين المقاومة والكيان الصهيوني في طياته طاقة كامنة للاستحالة إلى مواجهة شاملة.

القضاء على المخاطر الأمنية والعسكرية التي تمثلها غزة للعمق الصهيوني يتطلب إعادة احتلالها بالكامل والبقاء فترة طويلة.

المقاومة معنية بإقناع الصهاينة بالتراجع عن إجراءات تشديد الحصار التي فاقمت الأوضاع الاقتصادية والإنسانية سوءا بالقطاع.

ليس لإسرائيل مصلحة في جولة تصعيد شامل ضد المقاومة فدوائر صنع القرار بإسرائيل تدرك أنها أنها ستعود لنفس المربع بعد انتهاء الجولة!

*     *     *

نظريا، يحمل التصعيد المتواصل بين المقاومة والكيان الصهيوني في طياته طاقة كامنة للاستحالة إلى مواجهة شاملة، سيما في ظل التهديدات التي تطلقها القيادات الصهيونية، وتحديدا وزير الحرب بني غانز والتلميحات إلى إمكانية إقدام إسرائيل على شن عمليات اغتيال ضد قادة وكوادر حركات المقاومة.

وقبل الخوض في استشراف مآلات التصعيد، فإنه من الأهمية بمكان التأكيد أن التصعيد الأخير جاء في إطار سعي صهيوني للعودة لقواعد إستراتيجية "إدارة الأزمة" التي انتهجتها إسرائيل منذ 2009.

والتي نجحت غزة على هامش مسيرات العودة في إحداث تحول عليها، وفرض قاعدة جديدة، تمكنت المقاومة في إطارها من تأمين حقها في التشويش على الواقع الأمني جنوب الكيان ردا على اشتداد وتيرة الحصار.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل إسرائيل حقا معنية بمواجهة مع المقاومة؟

رغم تهديدات غانتس، فإنه من الواضح أنه ليس لإسرائيل مصلحة في جولة تصعيد شامل ضد المقاومة، حيث أن دوائر صنع القرار في تل أبيب تدرك أن إسرائيل أنها ستعود إلى نفس المربع بعد انتهاء الجولة!

حيث إنها ستفشل في مراكمة الردع في مواجهة المقاومة، على اعتبار أنه لا يوجد لغزة ما تخسره بفعل الواقع الإنسان والاقتصادي، وستضطر إسرائيل للعودة لتفاهمات التهدئة إياها.

وفي الوقت ذاته، فإن إسرائيل تعي تماما أن القضاء على المخاطر الأمنية والعسكرية التي تمثلها غزة على العمق الصهيوني يتطلب إعادة احتلال القطاع بالكامل والبقاء فيه لفترة طويلة، لكنها تعي أيضا أنه لا يوجد طرف فلسطيني أو عربي يمكن ان يتولى إدارة شؤون القطاع بدلا منها، مما يعني أن أية عملية عسكرية واسعة في القطاع ستنتهي إلى خيارين لا ثالث لهما:

- إما أن تنتهي العملية وتعود لغزة بعد ذلك كمصدرتهديد مباشر للعمق الصهيوني مع كل الخسائر في الأرواح والثمن الاقتصادي والسياسي الذي تتكبده.

- وإما أن تفضي العملية إلى توريط إسرائيل في رمال غزة الساخنة إلى أمد بعيد ما كل ما ينطوي عليه الأمر من تحديات هائلة على كل الصعد.

في الوقت ذاته، فإن حالة انعدام اليقين على الجبهة الشمالية، وقرب افتتاح العام الدراسي وعدم جاهزية الجبهة الداخلية وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في أعقاب انتشار وباء كورونا والخوف من التأثير على الأجواء الإقليمية بعد الاتفاق مع الإمارات، من الأسباب التي تدفع الصهاينة لعدم التحمس للتصعيد.

وما ينطبق على الكيان الصهيوني، ينطبق على المقاومة، التي ليس لها مصلحة في جولة تصعيد شامل، حيث إن المقاومة معنية بمشاغلات تهدف بشكل أساس إلى اقناع الصهاينة بالتراجع عن إجراءات تشديد الحصار، التي فاقمت الأوضاع الاقتصادية والإنسانية سوءا في القطاع.

لكن رغم عدم رغبة المقاومة والصهاينة في جولة تصعيد شامل، فإن الحسابات الخاطئة يمكن أن تدفعهما إلى هذه الجولة، فقصف صهيوني يؤدي إلى استشهاد مواطنين فلسطينيين مثلا أو إطلاق صواريخ من غزة يؤدي إلى قتل مستوطنين سيدفع تلقائيا إلى جولة تصعيد شاملة.

ومن نافلة القول أن مصير التصعيد لا يتوقف فقط على موقف الصهاينة والمقاومة، بل على دور الوسطاء، أو الأطراف ذات العلاقة برعاية تفاهمات التهدئة، مصر، قطر، ومبعوث الأمم المتحدة، وتأثير الظروف الداخلية والإقليمية على دافعية هذه الأطراف للتجند لاستعادة التهدئة وضمن ذلك تقليص تأثير الحصار المفروض على القطاع.

على المقاومة أن تعمل وفق بوصلة مصالحها ومصلحة غزة، مما يوجب عليها مواصلة التواصل مع الوسطاء وعدم ترك الساحة للتأثير الصهيوني وزيادة دورها في توفير متطلبات تحسين الأوضاع الاقتصادية والإنسانية في القطاع.

* د. صالح النعامي كاتب وباحث في الشأن الإسرائيلي

المصدر | السبيل الأردنية