تعدد الثقافة لا مركزيتها

علينا الذهاب نحو تعدد الثقافات والخروج من طوق المركزية الأوروبية.

مطلوب فتح نوافذ أكثر على آداب وثقافات آسيا كما فعلنا مع الآداب الأوروبية المختلفة خاصة الأنغلوسكسونية والفرانكفونية.

في آسيا التي تضمّ غالبية بلاد العرب هناك نماذج يعتد بها في التنمية والنجاح الاقتصادي فحجزوا مقاعد أمامية في قطار المستقبل.

*     *     *

حديثنا عن حاجتنا نحن العرب إلى الالتفات شرقاً بحاجة لإضافات. خلصنا، قبل أيام، إلى ضرورة مغادرة الاعتقاد الشائع بأن «الآخر» هو الغرب وحده، فهناك «آخرون» في القارة الآسيوية التي تضمّ غالبية البلدان العربية، يقدّمون نماذج يعتد بها في التنمية والنجاحات الاقتصادية المبهرة، بحيث حجزوا مقاعدهم الأمامية في قطار المستقبل.

ثمة أوجه من التعاون اليوم بين بعض بلداننا العربية والصين مثلاً، وبشكل خاص في الحقل الاقتصادي - التنموي، لكن حيز هذا التعاون يظل قليلاً لو قارناه بنظيره مع بلدان غربية.

مع أن العوائد التي يمكن أن تجنيها بلداننا من تعاونها مع الصين لن تقل عن تلك العائدة من التعاون مع الغرب، الذي تمارس بعض دوله أوجه ابتزاز وضغوط لقاء تقديمها أي عون.

وهنا نريد التوقف أكثر عند حقل مهم آخر في الانفتاح على الآخر غير الغربي، هو حقل الثقافة، فلو قارنا عدد الدارسين العرب للغتي الصين واليابان، مثلاً، والمتخصصين في ثقافة وتاريخ هذين البلدين وسواهما من بلدان آسيا الناهضة، مثل كوريا وحتى ماليزيا ذات الغالبية المسلمة، سنجده محدوداً، بل لا يكاد يذكر، مقارنة بعدد الدارسين للإنجليزية والفرنسية وغيرهما من اللغات الأوروبية، والمتخصصين في آدابها، وتاريخها.

لا معرفة لديّ بالحال في البلدان العربية المختلفة، ولكن بوسعي أن أشير إلى تجربة كليات الألسن في الجامعات المصرية المختلفة، التي يدرس فيها طلبة وطالبات لغات وثقافات آسيوية.

وسبق لنا هنا، قبل شهور قليلة، أن أشرنا إلى شابتين مصريتين درستا اللغة الصينية في مصر، هما يارا المصري ومي عاشور، ترجمتا عدداً من روائع الأدب الصيني الحديث، خاصة في مجال الرواية، وهذا مثال على ما يمكن للتعليم أن يؤديه من دور في تعريفنا بتاريخ وحضارة وثقافة أمم مهمة.

لكن المطلوب في هذا المجال ما زال كثيراً، وما تمّ منه يظل متواضعاً قياساً بالمنشود، ومسؤولية القائمين على التعليم الجامعي، بخاصة، في بلداننا مسؤولية كبرى، في فتح المزيد من النوافذ على تلك الآداب والثقافات، كما فعلنا مع الآداب الأوروبية المختلفة، خاصة منها الأنغلوسكسونية والفرانكفونية.

ولا تقل أهمية مسؤولية المثقفين العرب أنفسهم في هذا المجال، إذ لا يحضرني سوى اسم المفكر العراقي الراحل هادي العلوي الذي عاش سنوات في الصين، دارساً لفلسفتها خاصة، والشاعر السوري علي كنعان الذي عاش في اليابان وعرّفنا إلى نماذج من أدبها في حقلي الرواية والشعر.

علينا الذهاب نحو تعدد الثقافات، والخروج من طوق المركزية الأوروبية.

* د. حسن مدن كاتب صحفي من البحرين

المصدر | الخليج - الشارقة