الثلاثاء 15 سبتمبر 2020 09:02 ص

شرق المتوسط: التهدئة شرطٌ للتفاوض

لا مصلحة لتركيا في تهدئة قبل التفاوض إذ تصعد للابتزاز: إما تفاوض على تعديل المعاهدة أو على صيغة لإشراكها بموارد النفط والغاز.

أنقرة واصلت اللعب على الأزمة والوساطات فتدعو اليونان لتفاوض ثنائي وتضغط على «الناتو» لترجيح هذه الصيغة استبعاداً للاتحاد الأوروبي.

أنقرة تخوض حربا سياسية مفتوحة مع فرنسا ورئيسها سواء بالتحدّي العسكري أو باتهام باريس باستعادة «العقلية الاستعمارية» وطموحاتها.

*     *     *

لا تزال الدعوة إلى الحوار غالبة أوروبيا من أجل تبديد التوتّر في شرق المتوسّط، لكنها رهن استجابة تركيا لجهود وساطة تتولاها ألمانيا والمفوضية الأوروبية، ويدعمها حلف الأطلسي (الناتو)، الذي يريد بأي شكل استبعاد مواجهة عسكرية بين دولتين عضوين، اليونان وتركيا.

وأظهرت قمة السبع G-7 الأوروبية التي دعت إليها فرنسا الدول الأوروبية المتوسطية استعداداً لحل دبلوماسي، بشرط أن تبادر تركيا فوراً إلى خفض التصعيد، وإلا فإن القمة الأوروبية المقبلة ستفرض «تقييداً» أو عقوبات عليها.

لكن أنقرة واصلت التلاعب على الأزمة وعلى الوساطات، فمن جهة تدعو اليونان إلى تفاوض ثنائي وتحاول الضغط على «الناتو» لترجيح هذه الصيغة استبعاداً للاتحاد الأوروبي.

ومن جهة أخرى تستغلّ تركيا التناقضات الأوروبية لتحريك الوساطة الألمانية من دون تلبية الشرط المسبق بسحب قطعها البحرية من شرق المتوسط قبل أي تفاوض.

في السياق نفسه، فسّرت أنقرة الغموض الذي ساد موقف الولايات المتحدة، طوال أسابيع التصعيد، بأنه في مصلحتها، لكن رفع الحظر الأميركي على السلاح لقبرص شكّل لها «رسالة» سلبية.

ثم إن واشنطن، التي لم تكن مجاملة لفرنسا أو لليونان خلال التصعيد، بدت أخيراً أكثر ميلاً إلى التهدئة، وفقاً لتصريحات مايك بومبيو عشية وصوله إلى قبرص.

فمع اقتراب الانتخابات الرئاسية، استشعرت إدارة دونالد ترامب أن المصالح التي تتحقّق لها حالياً مع تركيا لا توازي السماح لها بارتكاب مغامرة خطيرة داخل المنطقة الاستراتيجية لـ «الناتو» وفي توقيت حسّاس كهذا.

وخاصة أن روسيا التي لزمت الصمت منذ بداية التوتّر أصبحت فجأة مهتمّة بالدخول على خط الأزمة ولو من قبيل عرض وساطتها.

لم تكن أنقرة واثقة بانتزاع ما ترمي إليه به عبر التصعيد والتهديد، إلا أنها تعمّدتهما لرفع سقف مطالبها تحسّباً لأي تفاوض.

فعدا إرسال سفينة التنقيب عن الغاز والحماية العسكرية المرافقة لها، وما أعقب ذلك من مناورات بحرية وزيادة التقارب مع إيران، راحت أنقرة تخوض حرباً سياسية مفتوحة مع فرنسا ورئيسها، سواء بالتحدّي العسكري أو باتهام باريس باستعادة «العقلية الاستعمارية» وطموحاتها.

وقد جاءها الردّ بأنها هي نفسها تعمل بـ«عقلية عثمانية»، وتريد استعادة إمبراطورية زائلة، وقد ساهمت الأزمة في فتح ملف تاريخي طويل من الصراع التركي–الفرنسي، بدأ بمعاهدات ما بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية.

واستمرّ بالتعاطف الفرنسي مع قضيتي الأرمن والأكراد، وتواصل مع سلبية باريس حيال انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وتفجّر أخيراً على خلفية الصراعين الليبي والسوري وبدء تدخّل تركيا في لبنان.

خلال قمة السبع G-7 الأوروبية، حذر الرئيس الفرنسي من قوى تاريخية تمارس «لعبة الهيمنة» تسعى إلى زعزعة استقرار المنطقة المتوسّطية، مشيراً تحديداً إلى الدورين التركي والروسي، وفي ذلك توصيف لواقع الأزمة مع تركيا.

فلو كانت مسألة مصالح لما استوجبت تصعيداً عسكرياً، لكنها مسألة فرض نفوذ، من شأنه أن يغيّر وقائع جرى التوافق الدولي عليها في معاهدة لوزان (1923)، ذاك أن تجاوز أنقرة الوضع القانوني للجزر اليونانية في بحر إيجة، بذريعة أنها في جرفها القاري، يشكّل انتهاكاً لأحكام تلك المعاهدة.

لذلك لا ترى تركيا مصلحة في التهدئة قبل التفاوض، إذ إنها تستخدم التصعيد للابتزاز: إما التفاوض على تعديل المعاهدة، أو على صيغة لإشراكها في موارد النفط والغاز.

* عبد الوهاب بدرخان كاتب صحفي لبناني

المصدر | الاتحاد الظبيانية