الثلاثاء 22 سبتمبر 2020 10:42 ص

هل «ورّط» الجابري طرابيشي في التراث؟!

احتد السجال بين الرجلين واشتد بعد توالي صدور مجلدات طرابيشي التي يرد فيها على الجابري، ولم يخل من اتهامات حادة وقاسية بينهما.

طالت الاتهامات التحدّر الديني لهما كون طرابيشي مسيحياً وهذا ما كان يتعين عدم الانزلاق إليه خاصة من جانب الجابري الذي أثار المسألة.

كان الجابري رائد افي اقتحام هذا الحقل الشائك حول تكوين العقل العربي ونقده لكن السجال بين الرجلين عاد بفائدة في إضاءة زوايا وجوانب موضوع البحث.

*     *     *

كان جورج طرابيشي فترة إقامته ببيروت يعمل محرراً في «دار الطليعة»، ورئيساً لتحرير مجلة دراسات عربية الصادرة عنها، حيث انصرف إلى الدراسات النقدية والترجمة عن الفرنسية.

بحكم عمله في الدار المذكورة، وقع طرابيشي على مسودة كتاب محمد عابد الجابري عن «تكوين العقل العربي» المرسلة إلى الدار لنشرها، فأعجب بها حد الافتتان، وأعاد قراءة الكتاب بعد نشره، حيث سحره الجابري بالإشكاليات التي طرحها وبطريقته في صياغتها، كما قال هو نفسه.

وينقل كمال ديب في كتابه «بيروت والحداثة» عن طرابيشي قوله إن كتاب الجابري هذا، كان الكتاب الوحيد الذي حمله معه من بيروت وهو يغادرها بعد اندلاع الحرب الأهلية فيها إلى باريس.

في باريس عثر طرابيشي على كتاب «إخوان الصفا»، الذي كان أحد الكتب التي غرف منها الجابري كأحد مراجع كتابه المهمة عن العقل العربي، فرأى فيه ما لم يره الجابري، أو ما لم يرد أن يراه.

ليقول فيما بعد، إن الشواهد التي ساقها الجابري من الكتاب كانت مبتورة من سياقها، فكان أن غادر اهتماماته النقدية وانشغاله بالترجمة وانكبّ على دراسة التراث العربي الذي درسه قبله الجابري، ولكن من منظور وبرؤية مختلفين، فأنجز خمسة مجلدات خصصها للرد على أطروحات الرجل الذي فتن بعمله في البداية.

لسنا هنا في وارد المفاضلة بين شغل الرجلين، ولا حتى عقد المقارنة بينهما، فتلك مهمة تستدعي الإسهاب والتأني والبحث، لكن ما يهمنا هنا التوقف عند ما ورد في كتاب كمال ديب المذكور عن أن الجابري «ورّط» طرابيشي في التراث.

ولسنا على يقين ما إذا كان الوصف هو من وضع مؤلف الكتاب، أو أنه ورد على لسان طرابيشي نفسه الذي لم يخف فضل الجابري عليه في نقله إلى دائرة اهتمام بحثي جديدة ومختلفة عن اهتماماته التي بدأ بها حياته كباحث ومترجم.

السجال بين الرجلين احتد واشتد بعد أن توالى صدور مجلدات طرابيشي التي يرد فيها على الجابري، ولم يخل من الاتهامات الحادة والقاسية بين الرجلين، التي طالت في ما طالت التحدّر الديني لهما، كون طرابيشي مسيحياً والجابري مسلماً، وهذا ما كان يتعين عدم الانزلاق إليه، خاصة من جانب الجابري الذي كان قد أثار هذه المسألة.

لكن هذا لن يحجب حقيقة أن الجابري كان الرائد في اقتحام هذا الحقل البحثي الشائك حول بنية العقل العربي ونقده، ومن جهة أخرى فإن السجال بين الرجلين، على حدّته، عاد بالفائدة في إضاءة زوايا وجوانب موضوع البحث.

* د. حسن مدن كاتب صحفي من البحرين

المصدر | الخليج - الشارقة