اتجاهات عالمية نحو الحكومة الإلكترونية

التحول في القدرة على الإحاطة من النخبوية إلى العموم يحوّل التنمية والخدمات إلى عمليات تشاركية.

لم تكن المشكلة فقط في توفير تقنية التواصل بل في الوعي بأهميتها وضرورتها ومجالات استخدامها وتطبيقها.

تمضي الأمم إلى التكامل والمساواة لكنه تحول مشروط بالعمل الصعب والتعليم الذاتي وتطوير رأس المال البشري.

تحولت الحكومة الإلكترونية من خيار تنظيمي تنموي لاستيعاب تحولات تقنية جارية وتفعيل الأداء العام وترشيد الإنفاق لكونها خيارًا لا بديل عنه.

استخدام الفقراء للشبكة أكثره للتواصل والترفيه في حين اتجهت دول ومجتمعات متقدمة إلى تفعيل الشبكة تعليميا وتدريبيا وتنظيميا!

*     *     *

يكتسب تقرير الأمم المتحدة عن الحكومات الإلكترونية لهذا العام أهمية خاصة، كونه يصدر في ظروف لها متطلبات سياسية واقتصادية جديدة، فقد تحولت الحكومة الإلكترونية من خيار تنظيمي وتنموي مفيد ومهم لاستيعاب التحولات التكنولوجية الجارية في العالم، ولتفعيل الأداء العام وترشيد الإنفاق، إلى كونها خياراً لا بديل عنه (تقريباً).

ولم يعد أمام الدول والمجتمعات والشركات سوى أن تتوسع في العمل به، بل وتعتمد عليه في معظم إن لم يكن جميع الخدمات والأعمال الحكومية والمؤسسية، وقد بدأت الأمم المتحدة منذ عام 2001 تصدر تقريراً كل سنتين عن الحكومات الإلكترونية، وتقيس فيه مؤشرات الخدمات الحكومية عبر الإنترنت، ومستوى الاتصالات والكفاءة البشرية في إدارة وتنظيم الخدمات الحكومية.

يشكل التقرير مرجعاً عالمياً رائداً لتقييم حالة الحكومات الإلكترونية في جميع دول العالم، وفي ذلك يمكننا أن نفهم التحديات ومجالات القوة التي تساعد في التنمية.

واليوم بعد مرور عشرين عاماً على علميات قياس تطور الحكومة الإلكترونية، أصبح بمقدرونا في كل بلد، كصانعي سياسات ومحللين وباحثين، تقييم بلداننا ومقارنتها بالعالم، لنقدِّر إلى أين نمضي في إدارة وتحسين حياتنا.

وبخاصة أن العالم أعلن عن رؤيته لما يجب أن يكون عليه في عام 2030 في مجالات النمو الاقتصادي والحماية الاجتماعية والصحية والتعليم والطاقة والمياه والصرف الصحي والنقل المستدام والبنية التحتية والوصول إلى الإنترنت.. إلخ.

إن هذا التحول في القدرة على الإحاطة من النخبوية إلى العموم يحوّل التنمية والخدمات إلى عمليات تشاركية، ويمضي بالأمم إلى التكامل والمساواة، لكنه تحول مشروط بالعمل الصعب والتعليم الذاتي وتطوير رأس المال البشري.

لقد أصبح الوصول إلى الإنترنت مطلباً إنسانياً أساسياً، لكي يكون بمقدور جميع الناس التواصل مع العالم المحيط وإدارة وتنظيم احتياجاتهم ومعاملاتهم، والحصول على الخدمات العامة والتجارية..

وعلى نحو ما فإن شبكة الاتصالات تعيد العالم إلى الساحات المركزية (أغورا)، التي كانت تشكل قلب المدن والبلدات، ويلتقي فيها الناس للتجارة والعبادة والعمل والتقاضي والثقافة والترفيه، وصار ضرورياً أن يكون الوصول إلى الإنترنت سهلاً ومتاحاً بالقدر الذي كان متاحاً للناس أن يلتقوا في الساحات العامة.

وقد أظهرت خدمات وتطبيقات الحكومة الإلكترونية قدرات ومزايا خاصة وفاعلة في مواجهة الوباء، مثل تعزيز البيانات والتطبيقات الذكية للتباعد الاجتماعي والفحص الطبي والقدرة على التواصل بفعالية وشمول، وتقديم المعلومات والخدمات في المنازل والمستشفيات ومراكز الحجر الصحي..

لكن أيضاً ظهر بوضوح عجز كثير من الأمم عن مواجهة أزماتها بسبب نقص البنية التحية الرقيمة وضعف القدرات البشرية والفنية. وظهرت أيضاً ثغرات عدة في ثقافة تداول المعلومات والأمن السيبراني، ولم تكن المشكلة فقط في توفير تكنولوجيا التواصل، ولكن في الوعي بأهميتها وضرورتها ومجالات استخدامها وتطبيقها.

ومن المحير أن يكون استخدام الفقراء للشبكة أكثره لأغراض التواصل والترفيه، في حين اتجهت الدول والمجتمعات المتقدمة إلى تفعيل الشبكة لأغراض تعليمية وتدريبية وتنظيمية.

إن تأخر الوعي بالحكومات الإلكترونية يزيد الفجوة مع العالم، ويقلل من فرص الأمم والمجتمعات في جنى مكاسب وفرص الشبكية في تحسين الحياة، وترشيد الإنفاق وتفعيل العمل والتعليم والوقاية من الأوبئة والمخاطر الصحية والاجتماعية.

لكن أسوأ ما يمكن أن يصيب الأمم النامية والفقيرة عندما يتشكل اتجاه مؤثر يزين للناس العزوف عن المشاركة في الاتجاه العالمي والذي يزداد قوة وتطوراً، إذ ليس ذلك سوى لعب في الوقت الضائع خدمةً لمصالح تمضي إلى الأفول، وتأخيراً للحاق بالعالم والقدرة على الانتماء إليه.

والحال أنه ليس ثمة خيار سوى المضي في عمل صعب وممل لاستيعاب المعارف والمهارات الجديدة مهما كان ذلك صعباً ومكلفاً، وإلا فالبلد الذي يتأخر عن ذلك الخيار سيجد نفسه خارج التاريخ والجغرافيا!

* إبراهيم الغرايبة كاتب وباحث أردني

المصدر | الاتحاد الظبيانية