الأحد 18 أكتوبر 2020 06:48 ص

انتصار قضائي للسلطة الرابعة في الأردن

نحتفي بموقف القضاء الأردني، ونصه الجديد على حق الصحافي بالسؤال: من أين لك هذا؟

في الدساتير والقوانين العربية هناك نوافذ عدة وقوانين كثيرة تلتف على الحق وتفرّغه من مضمونه   

في بلادنا تنام السلطة الرابعة في فراش واحد مع السلطة التنفيذية وتأتمر بأمرها وتسخر لخدمتها وتبرير أفاعيلها!

(1)

لا يوجد في القوانين المكتوبة، حسب ما هو معروف، ما يشير إلى السلطة الرابعة، فالسلطات المعترف بها فعلا هي الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية. أما مصطلح السلطة الرابعة فهو وصف ارتبط بوسائل الإعلام، ومنصّات التواصل الاجتماعي، وإن يعتبر بعضهم هده المنصات سلطة خامسة، لما لها من تأثيرٍ بالغ على المجتمع المعاصر.

تاريخيا، حسب المصادر المختلفة، تعود نشأة المصطلح وتداوله إلى القرن الثامن عشر، إذ أعلنه المفكر الإيرلندي إدموند بروك، في إحدى جلسات مجلس البرلمان البريطاني، بقوله: "ثلاث سلطات تجتمع هنا تحت سقف البرلمان.

ولكن هناك في قاعة المراسلين تجلس السلطة الرابعة، وهي أهم منكم جميعاً". كما انتشر المصطلح أيضاً في كتاب "الأبطال وعبادة البطل"، للكاتب الأسكتلندي توماس كارليل، حيث كان العالم يعيش مرحلة انتقالية من النظام الديكتاتوري السلطوي إلى النظام الديمقراطيّ القائم على فصل السُلطات وتأسيس المشاركة الحزبية، وتعزيز مبدأ الحريات العامة والخاصة.

وعلى الرغم من المكانة الرفيعة التي تبوأتها الصحافة والإعلام عموما في أزمنة غابرة، إلا أنها تعرّضت لتقلبات متعدّدة في غير بلد، أفقدتها أو كادت تفقدها ألقها، خصوصا في بلادنا العربية، حيث تنام هذه السلطة في فراش واحد مع السلطة التنفيذية، وتأتمر بأمرها، وتسخر لخدمتها وتبرير أفاعيلها!

ولهذا، حين يرد نص قانوني معتبر يذكر بالاسم الصريح "السلطة الرابعة"، يصبح هذا النص بمثابة رد اعتبار لها، وإعادة اعترافٍ بدورها. وقد حدث هذا في الأردن، في نص صريح يعد انتصارا للسلطة الرابعة على نحو يثير الإعجاب.

ففي زمن شهد هزيمةً منكرة لحرية إبداء الرأي، فقد ردّت محكمة الاستئناف على الطعن الذي تقدّم به المدّعي أمجد الذهبي بالحق الشخصي الذي لم يرتض بحكم المحكمة الابتدائية، فطعن به لدى محكمة استئناف عمّان التي قرّرت في حكمها في الدعوى 9149/2020 بتاريخ 10/8/2020، الصادر عن الهيئة الاستئنافية (برئاسة القاضي فوزي النهار وعضوية القاضيين محمد الشرايري ومحمد الخصاونة)، برد الاستئناف موضوعاً، وقد جاء في تعليل رد الاستئناف وتسبيبه:

"إن البينة المقدمة لم يرد فيها ما يثبت أن المستأنف ضده (رفاد سالم) قام بأي فعل يعد ضارّا بالمدعي (المستأنف أمجد الذهبي). وأما صحة الخبر، فإن البينات جاءت كافيه لإثبات المصروفات الهائلة التي دفعت في حفل زواج المدّعي (أمجد الذهبي). وأما التساؤلات حول الشخصية العامة، وهي رئيس وزراء أسبق وسؤاله من أين لك هذا، فهذا سؤال مشروع لأي مسؤول، ومن حقّ الصحافة التحرّي عن ذلك، كونها السلطة الرابعة، طالما أن الهدف منها ليس شخصيا بحتاً، وإنما للمصلحة العامة، وليس المقصود فقط للتشهير، ولكن أي مسؤول يقوم بإعداد وليمة أو حفل بمبالغ مثل هذا المبلغ الذي تجاوز بإعداد وليمة أو حفل بمبالغ مثل هذا المبلغ الذي تجاوز المائتي ألف دينار يجعل من حق الناس التساؤل عن مصدر هذا المال، سيما وأن نادر الذهبي معروف بأنه خدم في القوات المسلحة، وليست له مصادر دخل من تجارة، حسب ما هو ثابت من خلال شهادة ابنه المدّعي أمجد الذي أكد ذلك، وإن دور الصحافة ليس مغلولا، ومن حقها استظهار الحقائق والتساؤل، طالما أن السؤال مشروع، ولا ينطوي على نية غير سليمة".

(2)

نحتفي بهذا النص الذي نعتبره تاريخيا، ودليلا على يقظة القضاء في الأردن، في وقتٍ نشهد فيه انتهاكاتٍ فادحةً لحرية الصحافة وإبداء الرأي، ليس في الأردن فقط، بل في كل بلادنا العربية، ولا أدلّ على هذا من كثرة أعداد الصحافيين الذين تم توقيفهم على ذمّة قضايا تتعلق بحرية الرأي، وكان من أبرزهم رسام الكاريكاتير الأردني عماد حجاج، الذي تم حبسه بسبب كاريكاتير ينتقد فيه اتفاقات التطبيع العربي مع كيان الاحتلال الصهيوني، وقد سبقه إلى هذا وتبعه كثيرون، واجهوا المصير نفسه، اليوم وبالأمس البعيد والقريب، ومنهم كاتب هذه السطور الذي سجن بسبب نشره خبرا عن تعذيب أحد المتهمين أسبوعين، وتم تحريك ما يزيد عن عشر قضايا في المحاكم من "الحق العام" خلال مسيرته المهنية في الصحافة، كلها حكم فيها القضاء بعدم المسؤولية، وهو تعبيرٌ يعني البراءة في العُرف القضائي. ويذكر أنه في إحدى المرّات التي مثل فيها أمام المدّعي العام، قال له إنه تلقى عدة اتصالاتٍ توصي بالأمر بتوقيفه، إلا أنه رفض الامتثال، بل أبدى تعاونا لافتا، حينما تولى هو كتابة الإفادة، وأطلق سراحه دونما توقيف، ضاربا عرض الحائط بكل مطالبات حبسه، ولكن هذا لم يحصل مع كثيرين غيره، كانوا نزلاء مراكز التوقيف بسبب آرائهم!

حسب النصوص المكتوبة في الدستور والقوانين في الأردن، وربما في كل البلاد العربية، حرية الرأي مصانة، ولكن هناك نوافذ عدة وقوانين كثيرة تلتف على هذا الحق، وتفرّغه من مضمونه. لهذا نحتفي بموقف القضاء الأردني، ونصه الجديد على حق الصحافي بالسؤال: من أين لك هذا، ووصفه الصحافة بأنها ليست مغلولةً، بل مطلقة اليد، خصوصا بعدما بلغت البلاد حافّة الهاوية، في غياب المساءلة الفعلية والرقابة الصارمة على هدر المال العام.

* حلمي الأسمر كاتب صحفي من الأردن

المصدر | العربي الجديد