الأحد 25 أكتوبر 2020 05:03 ص

التقدم على مسارات التغيير

يرى كثيرون أنّ منطق التغيير لم ينتصر أويحقق مطالبه لأن الانظمة الاستبدادية نجحت بإعادة بناء نفسها بأقسى مما كان عليه من قبل.

يُدرك النظام الرسمي العربي أنّ مسألة التغيير بالمنطقة العربية حتمية لا مهرَب منها لأن شروطها لا تزل قائمة بقيام نظام الاستبداد نفسه.

مهما كانت الصعوبات تعيش الأمة مخاضا ضروريا يسبق كل طور من تحول الأمم وخروجها من ركود نحو تأسيس فعل حضاري شعبي يلغي إمكان تجدد الاستبداد.

*     *     *

تسود المنطقة العربية حالة من التوجّس التي لا تكاد تخفى على أحد وهي الحالة التي تلقي بظلالها على سياق شديد الحساسية مشرقا ومغربا.. فبعد الدمار الذي تسببت فيه الثورات المضادة بقمع المطالب الشعبية ونشر الفوضى والاقتتال إثر تنفيذ المشاريع الانقلابية ضد المطالب الشعبية بالعدالة والتغيير تطوّرَ المشهد نحو اختراق كبير للأمن القومي العربي.

فالهرولة نحو اتفاقات العلاقات اللامحدودة مع الكيان الصهيوني وحجم التنازلات المجانية تؤكد أن المنطقة العربية تسير نحو منعرج خطير لم تعرفه منذ الخمسينيات.

لا تقتصر حساسية المرحلة على هذه المعطيات رغم ضخامتها بل إن حزام الأزمات الذي يمتد من العراق وسوريا مرورا بلبنان والخليج ومصر، وصولا إلى السودان ودول المغرب العربي يؤكد أن التحولات التي تعرفها المنطقة آخذة في التصاعد ولن تتوقف عند هذا الحدّ.

فاللافت في المشهد الجديد أن كل الفواعل باتت تتحرك مكشوفة الوجه خالية من كل المساحيق القديمة التي كانت تغطي بها جرائمها في حق الأمة وفي حق الشعوب إذ صار دعم الانقلابات وبيع المقدسات والتآمر على كل رافض للمشاريع الجديدة أو غير قابل للانخراط فيها السمات الأساسية للمشهد الجديد.

فمن جهة أولى يهرول النظام الرسمي العربي ممثلا بجامعة الدول العربية والأنظمة المسيطرة عليها وعلى قراراتها من أجل إعادة عجلة الاستبداد إلى تصدّر المشهد واستنساخ الأنظمة العسكرية هنا وهناك.

وهو النظام الذي أنفق كل ثروات الأمة في سبيل المحافظة على نفسه من السقوط خوفا من شعبه وخوفا من أن تطاله موجة التغيير الجديدة، ومن جهة مقابلة تسعى القوى الشعبية الحية إلى استعادة المجال الذي سُلب منها.

وهي التي أدركت بعد الثورات الأخيرة أن النظام الرسمي العربي لا يقلّ بشاعة عن القوى الاستعمارية التي كانت جاثمة على مصير الشعوب عقودا من الزمن.

يرى كثيرون أنّ منطق التغيير لم ينتصر ولم يحقق المطالب التي انطلق من أجلها لأن الانظمة الاستبدادية نجحت في إعادة بناء نفسها بشكل أقسى مما كان عليه من قبل.

لكنّ المتأمل لمسارات المنطقة العربية يُدرك جيدا وخاصة النظام الرسمي العربي أنّ مسألة التغيير مسألة حتمية لا مهرَب منها لأن شروطها لا تزل قائمة بقيام النظام الاستبدادي نفسه.

بناء عليه فمهما كانت صعوبة المسارات فإن ما تعيشه الأمة اليوم هو المخاض الضروري الذي يسبق كل طور من أطوار تحول الأمم، وخروجها من حالة الركود نحو التأسيس للفعل الحضاري الشعبي الذي سيلغي حتما كل إمكان تجدد الاستبداد وبقائه.

* د. محمد هنيد أستاذ العلاقات الدولية المشارك بجامعة السوربون، باريس. 

المصدر | الوطن القطرية