الخميس 5 نوفمبر 2020 07:26 ص

فرنسا والعالم الإسلامي

ساسة فرنسيون كثر عبروا عن رفض السخرية من المقدسات وأكد نشطاء ورجال دين ومثقفون أن حرية التعبير ليست مطلقة .

التمادي في التصعيد والتصعيد المضاد سيكون في صالح أعداء الأمة والسلام مهما رفعوا شعارات الحرية والديمقراطية والتسامح والمساواة.

جهات مدنية وشعبية رأت في الرسوم الساخرة إهانة للمقدسات وتماديا في الإساءة إلى أقدس شخصيات الإسلام وتكريسا لموجة إسلاموفوبيا تعصف بأوروبا.

هجوم إعلامي كبير لمنظمات يمين متطرف يعادي المهاجرين على العرب والمسلمين باعتبارهم سبب أزمات فرنسا و«الانفصالية الإسلامية» المزعومة.

وضع معقّد يفاقمه حسابات سياسية انتخابية وأزمة كورونا وتداعيات اقتصادية حاسمة يُلقي بظلال كثيفة على مستقبل العرب والمسلمين في فرنسا وأوروبا.

*     *     *

عاشت المنطقة العربية خلال الأيام الماضية ولا تزال تعيش على وقع أزمة حادة بين باريس والعالم الإسلامي بسبب الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول الكريم ﷺ.

لكنّ هذه الأزمة التي لا تزال فصولها وأطوارها تتفاعل تنقسم في تصوّرها إلى ثلاثة مستويات حسب طبيعة الفاعل المقصود بالأزمة:

- من جهة أولى هناك تصوّر الأزمة من منظور العرب والمسلمين في البلاد العربية والإسلامية؛

- من جهة ثانية هناك تصور الفرنسيين لهذه الأزمة؛

- من جهة ثالثة هناك العرب والمسلمون المهاجرون والمقيمون في فرنسا ولديهم تصورهم للأزمة باعتبارهم الطرف الأساسيّ فيها.

في البلاد العربية وبقية البلدان الإسلامية كان الموقف شبه مُجمِع على إدانة الرسوم والغضب منها وهو الأمر الذي تطوّر إلى مرحلة الحملة التي طالبت بمقاطعة البضائع الفرنسية نصرة للقضية.

لكن ما يميّز هذا الموقف هو صدوره عن جهات مدنية وشعبية أساسا رأت في الرسوم الساخرة إهانة للمقدسات وتماديا في الإساءة إلى أقدس الشخصيات الإسلامية على الإطلاق وتكريسا لموجة الإسلاموفوبيا التي تعصف بأوروبا عامة.

أما الموقف الفرنسي فهو ليس موقفا موحدا فبقطع النظر عن تصريحات ماكرون على شاشة الجزيرة والتي رأى فيها كثيرون محاولة لتدارك الموقف فإن كثيرا من الساسة الفرنسيين قد عبروا عن رفضهم للسخرية من المقدسات، كما أكد قسم هام من النشطاء ورجال الدين والمثقفين على أن حرية التعبير ليست مقولة مطلقة.

أما أشدّ الحالات والمواقف حساسية فهي تلك التي تتعلق بالجالية العربية والمسلمة في فرنسا فهي التي ستدفع ثمن التصعيد وهي التي ستكون بين سندان التطرف ومطرقة السلطة.

فاقم من هذه الوضعية الحرجة الهجوم الإعلامي الكبير من قبل منصات بعينها تسيطر عليها منظمات يمينية متطرفة معادية للمهاجرين بشكل عام على العرب والمسلمين باعتبارهم سبب ما تمرّ به فرنسا من أزمات بسبب ما يُطلق عليه هناك «الانفصالية الإسلامية».

إنّ هذا الوضع المعقّد الذي تضاف إليه حسابات السياسيين الانتخابية وأزمة جائحة كورونا وما سيترتب عنه من تداعيات اقتصادية حاسمة سيُلقي بظلاله الكثيفة على مستقبل العرب والمسلمين في فرنسا وأوروبا بشكل عام.

إنّ التمادي في خطاب التصعيد والتصعيد المضاد من قبل كافة الأطراف لن يكون في صالح أحد بل سيكون في صالح أعداء الأمة وأعداء السلام في كل مكان مهما رفعوا من شعارات الحرية والديمقراطية والتسامح والمساواة.

* د. محمد هنيد أستاذ العلاقات الدولية المشارك بجامعة السوربون، باريس.

المصدر | الوطن القطرية