الأحد 22 نوفمبر 2020 06:52 ص

جدلية المقاومة والمصالحة!

هل يمكن تعزيز المقاومة بدون وحدة وطنية لكن لا يمكن تحقيق التحرر والأهداف الوطنية الكبرى بدونها؟

معادلة المقاومة أولا ثم المصالحة تعني ضرورة الاعتماد أيضا على موازين القوى وليس المبادىء والقيم وحدها لتحقيق المصالحة.

يتمسك من يتبنى المصالحة بأفكار وقيم ويسخّر لها موارد وينتهز كل فرصة مواتية لتقديمها لاعتقاده أنها قيمة عليا ومصلحة وطنية كبرى.

من يرى المصالحة تكتيكا سياسيا يتقلب وفق تطورات محلية ودولية كتغير الإدارة الأمريكية وحكومة الاحتلال بين ما يسمى يمين ويسار.

الطرف الذي تخدم المصالحة مصالحه "الضيقة" دعا اليها وتحرك باتجاهها وقدم تنازلات لأجلها: تكتيك لخدمة أهداف استراتيجية وسياسية كبيرة.

*     *     *

أظهرت التطورات والأحداث في الساحة الفلسطينية في العقود الأخيرة بأن هناك طريقتان للوصول للمصالحة والوحدة الوطنية، أو يمكن القول دافعين لها:

الأول، قناعات فكرية مبنية على مبادىء ضرورة الوحدة الوطنية كقيمة وطنية عليا لشعب يتمتع بكل مقومات الوحدة والانسجام الديني والقومي والعرقي والإثني، وزيادة على ذلك، فهو يخضع للاحتلال وتشقّه المواقف السياسية المدعومة بالجغرافيا والمصالح الضيقة الى شقين، فتح في الضفة الغربية وحماس في قطاع غزة.

أما الثاني، فهو توازن القوى بحيث يتحرك أحد الأطراف أو كليهما نتيجة حسابات المصالح المبنية على توازن القوى على الأرض، وتؤثر المبادىء هنا بشكل محدود وثانوي.

فمن لاحظ من الأطراف ان المصالحة تخدم مصالحه "الضيقة" دعا اليها وتحرك باتجاهها، وقد يقدم بعض التنازلات من أجلها، بمعنى استخدام تكتيكي لخدمة أهداف استراتيجية وسياسية كبيرة في أحسن الأحوال، و"استراتيجيات شخصية" في أسوئها وهو ما يبدو سائدا في الساحة الفلسطينية.

يتمسك من يتحرك باتجاه المصالحة بأسباب فكرية وقيمية في كل الأحوال ويسخّر من أجلها كل موارده وينتهز كل فرصة مواتية لتقديمها لأنه يعتقد أنها قيمة عليا ومصلحة وطنية كبرى.

وقد تكون مقدمة ضرورية طبيعية لمواجهة الاحتلال والتحديات، أما من يعتقد أنها تكتيك سياسي فيتقلب وفق التطورات المحلية والدولية، كتغير الادارة الأمريكية على سبيل المثال بين ديموقراطي وجمهوري، وحكومة الاحتلال بين ما يسمى يمين ويسار في اسرائيل.

الوضع الطبيعي ان تكون المصالحة والوحدة الوطنية مقدمة ضرورية لمواجهة الاحتلال وتعزيز المقاومة ودعم صمود الشعب وتحقيق التحرر الوطني وحق الشعب في تقرير مصيره. أما ما يبدو متوفراً حالياً بعد فشل كل جهود المصالحة والوحدة الوطنية في السنوات الأخيرة فهو عكس ذلك تماماً، أي المقاومة أولاً للوصول الى المصالحة.

ان معادلة المقاومة أولا ثم المصالحة تعني ضرورة الاعتماد أيضاً على موازين القوى وليس المبادىء والقيم وحدها لتحقيق المصالحة.

وهذا مبني على القناعة بأنه يمكن رغم الصعوبة النسبية تعزيز المقاومة رغم الانقسام، إضافة الى جعل المصالحة والانقسام هدفاً آخر مُهماً من أهداف المقاومة الى جانب مواجهة وإسقاط الاحتلال.

لأنه عندما يدرك أنصار وأتباع مدرسة الواقعية السياسية وموازين القوى أن مصلحتهم في التفاهم مع المقاومة فسيضطرون للمصالحة كما اضطروا للتحرك باتجاهها عندما خدمتهم في مرحلة من المراحل.

أما الفرضية الأخيرة في هذا المقال فهي أنه من الممكن تعزيز المقاومة بدون وحدة وطنية، ولكنه لا يمكن تحقيق التحرر والأهداف الوطنية الكبرى بدونها. وكل هذه الفرضيات بحاجة الى تأسيس ومنهجة وقد يكون ذلك في مقال آخر.

وتلخيصاً يمكن القول :

1. بعد أن لم يؤتي مسار المصالحة الأخير ثماره المرجوة وقد يكون انتهى فعلياً بالإعلان الاحتفالي لحسين الشيخ بالعودة الى العلاقة الأمنية مع الاحتلال.

2.ما سبق يعزز القول بأنه لا بد من تعزيز المقاومة لفرض المصالحة والوحدة الوطنية وهي شرط من شروط تحقيق التحرر الوطني وحق تقرير المصير، فالمقاومة هي الطريق شبه الوحيد لتحقيق المصالحة حالياً.

3. لقد ظهر أن التيار السائد في فتح والسلطة ينظر للمصالحة من منظور (واقعي) سياسي ضيق مبني على توازن القوى وليس على المبادىء والقيم الوطنية!

وبالتالي، على قوى المصالحة من كافة الأطراف والجهات، وعلى رأسها تيار المقاومة وحماس، امتلاك مزيد من أوراق الضغط لفرض المصالحة الوطنية، وعدم انتظار فرصة ترامبية أخرى لأنها قد لا تأتي إلا بعد فترة زمنية طويلة، وقد لا تأتي أصلاً.

فالمبادرة للمصالحة هي مهمة من ينظر اليها كقيمة ومبدأ أكثر منها مصلحة مبنية على توازن القوى.

* ناصر ناصر كاتب وباحث سياسي

المصدر | السبيل