«الثوري».. صورة جديدة

الجيل الجديد نضج في رحم المعاناة ويربط الوطنية بالحقوق على نحو عضوي ومتفاعل ويرى فيهما تلازماً لا انفصام فيه.

الوطنية ناقصة ومبتورة دون حقوق وستكون مستلبة ومشوهة بالاستتباع الخارجي والتوظيف الأجنبي فلا تكتمل الوطنية مع حجب الحقوق أو انتهاكها.

قوة الشباب عامل أساسي في رسم الخريطة المستقبلية وإن تأخرت أو تعثرت أو تراجعت النتائج الحالية لكن ستصبح استحقاقاً لا غنى عنه باستمرارها وتراكمها.

*     *     *

بالترابط مع إخفاق مشروع الدولة وتعثر وظائفها في عدد من البلدان العربية وتراجع المشروعية القانونية وضعف الشرعية السياسية، برز جيل جديد من الشباب أخذ على عاتقه مسؤولية قيادة حركة احتجاج ميدانية بهدف التغيير بعيداً عن التنظيرات الأيديولوجية:

مبتدعاً أساليب كفاحية جديدة وغير مألوفة، منطلقاً من فضاء مجتمعي واقعي، متسلحاً بعناوين وطنية عامة، عابراً الطائفية والفئوية، متجاوزاً آليات التغيير التقليدية للمعارضات السياسية كالانقلابات العسكرية والثورات المسلحة والمؤامرات، حاشداً كتلاً بشرية هائلة من مختلف الاتجاهات والأفكار والأديان والطوائف، رافعاً شعارات سلمية ومدنية تطالب بالتغيير.

الجيل الجديد من الشباب الذي نضج في رحم المعاناة، يربط الوطنية بالحقوق على نحو عضوي ومتفاعل ويرى فيهما تلازماً لا انفصام فيه؛ إذ ستكون الوطنية ناقصة ومبتورة من دون الحقوق، مثلما ستكون مستلبة ومشوهة بالاستتباع الخارجي والتوظيف الأجنبي، فلا تكتمل الوطنية مع حجب الحقوق أو انتهاكها.

وإذا كان الجيل الجديد يعتبر التغيير استحقاقاً يقوم على مساءلة رجل الدولة بافتراض أنه موظف لدى الشعب ولخدمته وليس العكس، فإنه يعتبر ما يقوم به من صلب الوطنية والمواطنة الحيوية والفاعلة التي تفترض خضوع الجميع لحكم القانون حكاماً ومحكومين ودون استثناء، فالقانون حسب مونتسكيو مثل الموت لا يستثني أحداً، وبالطبع فلا بد من توفر ظرف موضوعي وذاتي، محلي ودولي يسهم بإنضاج عملية التغيير.

لم يتشدق الجيل الجديد بشعارات الماضي والسفسطات الأيديولوجية، ووجد نفسه في قِيم مغايرة أساسها الحرية والحق في التعبير والمساءلة والشراكة والمشاركة والمساواة والعدالة، وهي قيَم إنسانية عامة تخص البشر ككل بغض النظر عن انتماءاتهم وقومياتهم وأديانهم ولغاتهم وأوضاعهم الاجتماعية والطبقية وغير ذلك.

وكشفت حركة الاحتجاج أيضاً وجهاً آخر للعمل الثوري باختفاء صورة الثوري القديمة، فلم يعد يأتي بسترته المتسخة وقميصه الرث، متنكراً بأزياء أخرى شعبية أو فلاحية، أو واضعاً لفائف الرأس دليلاً على الثورية أو التدين أو العمل السري.

جاء بكل أناقته، ومعه جوقة البروفيسورات وأساتذة الجامعات والإعلاميين والمحامين والأدباء والفنانين والكتاب والقضاة والمهندسين والأطباء والنقابيين من أصحاب المهن المختلفة وجميع شغيلة اليد والفكر، نساء ورجالاً، ومن مختلف الشرائح الاجتماعية.

هكذا شاهدنا الثوري في هذه المرة يتدفق بعلانية وفي وضح النهار في ساحتي الشهداء ورياض الصلح في بيروت وساحة التحرير في بغداد والساحة الخضراء في طرابلس وفي أم درمان والخرطوم، وكانت مساهمة النساء أساسية، سافرات أو محجبات، مسلمات أو مسيحيات أو من أديان وطوائف أخرى، لا فرق بينهن.

فقد وحدهن حب الوطن، وكن جميعهن يرددن الشعارات ذاتها، فقد انتقلن من الصفوف الخلفية المسانِدة للعمل الشعبي إلى واجهات الحدث، ليتصدرن المنابر والقيادات.

لم يفكر الثوري الجديد قبل مجيئه بتلقي التعليمات من الأوكار السرية أو من خريجي السجون أو من مقار الأحزاب التقليدية وبياناتها الروتينية النمطية، فهؤلاء جميعهم هم من اتبعوه هذه المرة، لأنه كان يعرف قضيته أكثر من غيره، ولديه القدرة للتضحية من أجلها، دون وصاية أو أبوية أو ادعاء احتكار المعرفة والحقيقة والأفضلية.

لقد أثبتت قوة الشباب أنها العامل الأساسي في رسم الخريطة المستقبلية، حتى وإن تأخرت أو تعثرت أو تراجعت النتائج الحالية والملموسة، لكنها ستصبح استحقاقاً لا غنى عنه باستمرارها وتراكمها، سواء استجابت لها السلطات، وهو أمر مقدر حين تتفاعل وجهات نظر الشارع مع الاستعداد للتغيير لدى المسوؤلين، أو لم تستجب فستكون هناك آليات أخرى أكثر تعقيداً وأغلى ثمناً لبلداننا.

وإذا كانت الكتب الدينية أو القومية أو الكتاب الأحمر أو مقولات لينين وكاسترو وجيفارا محفزاً للثوار سابقاً، فإنّ عُود الجيل الجديد اشتد في غرف الإنترنت وعلى صفحات الفيسبوك ومقاهي المهمشين وعلى الأرصفة.

وأثبت جدارة لا حدود لها، على عكس الانطباع السائد الذي كان يتهمه بالميوعة واللامبالاة وقلة الشعور بالمسؤولية؛ فهو أبدى استعداداً للتضحية ونكران الذات وتقديم حياته ثمناً للحرية والتغيير؛ أكثر بكثير ممّا أبدته أجيال سابقة.

يكفي أن نقول إنه في العراق وخلال أشهر معدودة كان هناك أكثر من 600 ضحية ذهبت بدَم بارد وما يقارب ال 20 ألف جريح ومعوق.

* د. عبد الحسين شعبان أكاديمي ومفكر عراقي، نائب رئيس جامعة اللاّعنف وحقوق الإنسان (أونور) في بيروت.

المصدر | الخليج - الشارقة