في مرمى الفوضى العربية

خيار الحكم العربي الرئيس تشديد السياسات السلطوية والوصول لأبعد مدى فيها وتنمية مخاوف من فوضى داخلية!

شرائح اجتماعية عريضة تبحث عن أفق ومخرج من المأزق ما سيعزّز أزمات داخلية ويفجرها في دول عديدة.

ستتفاقم الأزمة البنيوية بالدول العربية فالحكم العربي ليس قادرا أو راغبا بالانضمام إلى الركب الديمقراطي العالمي.

إيران وتركيا وإسرائيل ستعمل لملء الفراغ وتطوير نفوذها الإقليمي ما يعزّز حالة عدم الاستقرار الإقليمي في دول متوترة أصلا.

رحيل ترامب سيهزّ مناعة السلطوية العربية وسيعيد دور المجتمع المدني العالمي رقابةً ومتابعة وحملات المضادّة، ما يضعف القبضة الأمنية الحالية.

إعادة تموضع دول إقليمية فخروج ترامب سيخفف ضغوط صفقة القرن ويضعف ولو مؤقتاً الطرف العربي أكثر، وستعيد الدول حساباتها.

*     *     *

تثير الحقبة المقبلة، بعد تنصيب جو بايدن رسميّاً رئيسا للولايات المتحدة الأميركية، أسئلة كبرى عن المستقبل السياسي للنظام الرسمي العربي بأسره. ليس لأنّ الرجل وفريقه (الذي سيعمل في السياسة الخارجية الأميركية) يحملون رؤى ثورية أو راديكالية تجاه المنطقة العربية!

بل لأنّ عملية ترميم الأنظمة السلطوية العربية (التي ترافقت مع سياسات ترامب) لن تكتمل، وستؤدي الأوضاع المتدهورة في الأعوام المقبلة إلى اهتزازاتٍ كبيرةٍ مرّة أخرى، وموجات جديدة من الاحتجاجات الشعبية!

بالعودة قليلاً إلى الوراء، لم تتوقف موجات الربيع العربي خلال العقد الماضي (بداية من تونس ومصر وليبيا واليمن وسورية)، فالموجة المضادة في 2013، والانتكاسات المتتالية في كل من سورية واليمن وليبيا، ثم الموجة الثانية 2019 (السودان والجزائر والعراق ولبنان)، أدّت إلى تغييرات على صعيد رأس النظام في كل من الجزائر والسودان)، رغم عودة السياسة الأميركية الترامبية إلى الوصفة التقليدية في دعم السلطويات العربية لتعزيز المصالح الأميركية.

رحيل الرئيس الحالي، دونالد ترامب، مع بداية العام المقبل، سيهزّ من مناعة الممانعة العربية السلطوية وصلابتها، وسيعيد دور المجتمع المدني العالمي، ولو جزئياً، في مجال الرقابة والمتابعة والحملات المضادّة، ما يضعف من حجم القبضة الأمنية الحالية.

في المرحلة المقبلة، ستتعزّز الأزمة البنيوية في الدول العربية، وتصل إلى مراحل متقدّمة جديدة؛ فالحكم العربي عموماً غير راغب (في)، وربما ليس قادراً، على الانضمام إلى الركب الديمقراطي العالمي، بينما المجتمعات دخلت في عصر المعلوماتية والتكنولوجيا وأجيال من الشباب المحبط والغاضب، لأسباب اقتصادية وسياسية أيضاً.

وهكذا، فلا توجد نظرية للحكم عربياً، بينما التشبّث في سياسات الأنظمة السلطوية لن يطول كثيراً، لأنّها بنيت على ديناميكيات الاقتصاد الريعي الذي لم يعد قائماً، وبدأ يتفكّك أيضاً في عديد من دول الخليج نفسها التي يقوم اقتصادها غالباً على النفط والغاز.

إذا افترضنا أنّ آثار سياسات كورونا ستبدأ بالظهور بدرجة أكثر وضوحاً وتأثيراً في العام المقبل، فسترتفع معدلات البطالة والفقر في دول عربية كثيرة، وستتعزّز الفجوات الطبقية، والفجوات بين الريف والمدينة، وستنفجر المشكلات الداخلية المرتبطة بالتمييزات على أسس اجتماعية أو طائفية أو جغرافية.

وهذا وذاك سيرفع من منسوب مؤشّرات عدم الاستقرار وإضعاف الأدوات التقليدية التي تمارس للإمساك بالأمن والاستقرار.

على صعيد إقليمي كذلك، لن يكون الوضع أفضل حالاً، فالإدارة الأميركية القادمة ورثت درساً مهماً ورئيسياً من حقبة الرئيس الأميركي الأسبق، باراك أوباما، بتجنّب التورّط في مشكلات المنطقة العربية، بخاصة الشرق الأوسط.

واستبعاد التدخلات العسكرية إلى أبعد مدى، ما سيعزّز من الفراغ الاستراتيجي الحالي في ظل عدم التوافق الدولي والإقليمي على نظام جديد مستقر. وعلى الأغلب سينجم عن ذلك متغيران رئيسان:

الأول أنّ كلا من إيران وتركيا وإسرائيل ستعمل على ملء الفراغ، وتطوير نفوذها الإقليمي، ما يعزّز من حالة عدم الاستقرار الإقليمي وفي الدول المتوترة أصلاً، مثل سورية والعراق وليبيا واليمن، مع الأخذ بعين الاعتبار التطور الكبير على صعيد العلاقات الإسرائيلية - الخليجية.

الثاني يتمثّل في إعادة التموضع، لدى بعض الدول الإقليمية، فخروج ترامب من المشهد سيخفف من ضغوط صفقة القرن، وسيضعف، ولو مؤقتاً، الطرف العربي أكثر، وستعيد الدول حساباتها.

لذلك وجدنا مسارعة من السلطة الفلسطينية إلى إعادة التنسيق الأمني، وملامح رسائل جديدة بين السعودية وتركيا، وربما يؤدّي إلى إعادة تشكيل السياسات في المنطقة.

في مرحلة التسعينيات، ومع بروز موجة التحولات الديمقراطية في أوروبا الشرقية، لجأت الدول العربية إلى بناء قنوات من الانفتاح السياسي الجزئي، مع الحفاظ على مقاليد السلطة وأدواتها واحتكار القوة.

وهي السياسات التي تناولتها نظرياتٌ ومقارباتٌ مهمة في أدبيات التحول الديمقراطي، تتحدث عن السياسات "شبة السلطوية" أو "الانتخابات لأجل الانتخابات".

حتى هذا الخيار لم يعد اليوم قائماً ولا ممكناً، بعد المياه الكثيرة التي جرت، ما يجعل الخيار الرئيس للحكم العربي هو تشديد السياسات السلطوية، والوصول إلى أبعد مدى فيها، مع تنمية المخاوف من الفوضى الداخلية، في مقابل شرائح اجتماعية عريضة تسعى إلى البحث عن أفق ومخرج من المأزق، ما سيعزّز الأزمات الداخلية ويفجرها في دول عديدة.

* د. محمد أبورمان باحث في الفكر الإسلامي والإصلاح السياسي، وزير أردني سابق

المصدر | العربي الجديد