الأحد 6 ديسمبر 2020 09:11 ص

بايدن واللحظة الدولية

ماذا يمكن أن نتوقع؟ هدنة مع الصين واستراتيجية احتواء جديدة لروسيا؟

لا يمكن وقف طموح الصين لتصبح أقوى دولة في العالم اقتصادياً في عام 2030.

مواجهة أو احتواء تركيا وإيران ليس بالبساطة بفعل سياسات واشنطن بالمنطقة.

كيف يمكن إعادة تصدير الديمقراطية إلى إيران وتركيا وفنزويلا وكوبا ونزع سلاح كوريا الشمالية؟

هل يكون ذلك بأغلفة أيديولوجية أم بقيم أخلاقية أم بمنظومة اقتصادية وسياسية واجتماعية وعسكرية وأمنية شاملة؟

بريطانيا خرجت ولم يستطع الاتحاد الأوروبي أن يتحول إلى قوة جيوسياسية مؤثرة فماذا يستطيع بايدن أن يفعل بهذه المتناقضات؟

ثمة مشكلات مع الاتحاد الأوروبي فبعض دوله لجأت إلى واشنطن على حساب الأطلسي، وبعضها الآخر يعاني أزمات اقتصادية حادة.

خطة «احتواء روسيا» فشلت سابقا بل لم تكن مجدية أو فاعلة واستعادت روسيا مواقعها ومناطق نفوذها على الخريطة السياسية العالمية وشرق الأوسطية.

*     *     *

هل ستكون لحظة جو بايدن، مفارِقة عن سلفه الجمهوري دونالد ترامب في السياسة الخارجية أم ثمة عقبات وتحديات أمامها؟ وكيف السبيل للانتقال من التفرد الترامبي الذي استخدمه الرئيس السابق مع الحلفاء والشركاء والأعداء في آن، الذي أضعف من موقع واشنطن، إلى منطق الشراكة الدولية التعددية والتضامن الأطلسي وقيادة واشنطن؟

في أوروبا بادر وزيرا خارجية فرنسا وألمانيا لكتابة مقالة مشتركة في صحيفة اللوموند الفرنسية (16 نوفمبر/تشرين الثاني 2020)، استبقا فيها تحديات واشنطن الجديدة في عهد الرئيس بايدن، خصوصاً العلاقات الأطلسية بالترافق مع اشتداد الصراع الأمريكي- الروسي والصيني.

الرؤية الأوروبية، تقوم على مواجهة دول العالم الحر الديمقراطي أربعة أنماط من التحديات الأساسية:

التحدي الأول- روسيا بنظامها التسلحي المتطور وسعيها لاستعادة مكانتها إثر انهيار الكتلة الاشتراكية وانحلال الاتحاد السوفييتي،

التحدي الثاني- الصين ودورها الطموح في الهيمنة على قنوات التجارة العالمية والتحكم بمداخل ومخارج الثورة التكنولوجية الجديدة،

التحدي الثالث- إيران ودورها في الشرق الأوسط وملفها النووي الإيراني،

والتحدي الرابع- تركيا وسياساتها التي تريد الهيمنة على شرق المتوسط، اليونان وقبرص والتداخلات مع أذربيجان، إضافة إلى تداخلاتها الليبية.

واستندت الرؤية الأوروبية إلى المعايير التي اعتمدها الغرب لمواجهة الكتلة الاشتراكية السابقة، وأساسها: حقوق الإنسان والديمقراطية والقانون الدولي، كما يسعى الاتحاد الأوروبي إلى بناء منظومة دبلوماسية وأمنية مستقلة أي خاصة بأوروبا، مع الاحتفاظ بالعلاقة الأطلسية الأمريكية. وتمثّل هذه الرؤية وجهة نظر نقيضة لرؤية ترامب الذي شكّك بجدوى الحلف الأطلسي ونجاعته.

وكان بايدن، قد كتب في مجلة «فورين آفيرز» قبل نحو سبعة أشهر من الانتخابات الأمريكية مقالة بعنوان: «لماذا على أمريكا أن تقود من جديد؟» استعرض فيها ملامح السياسة الخارجية التي يزمع انتهاجها في حالة وصوله إلى البيت الأبيض، منتقداً سياسة ترامب.

ومن جملة ما ورد في مقالة بايدن: تضاؤل صدقية الولايات المتحدة ونفوذها في العالم قياساً لفترة الرئيس باراك أوباما التي شغل فيها منصب نائباً له؛ ازدراء الحلفاء والشركاء لدرجة أنه نال من بعضهم وتخلى عن البعض الآخر.

المزاجية التي اتسم بها إزاء الخبراء والدبلوماسيين والجنرالات، تبديد نفوذ أمريكا في مواجهة تحديات الأمن القومي في كوريا الشمالية وإيران وسوريا وأفغانستان وصولاً إلى فنزويلا؛ شنه حرباً تجارية طائشة.

إذ لم يفرق بين الأصدقاء والأعداء، مما أضر بالطبقة الوسطى الأمريكية، تخليه عن قيادة الولايات المتحدة للعالم، لاسيما بشأن الأمن الجماعي، يضاف إلى ذلك ابتعاده عن القيم الديمقراطية الأمريكية.

ويوضح بايدن في مقالته استراتيجية بديلة لبرنامج ترامب، لكنها تبقى عمومية وأساسها: رأب الصدع واستجماع القوى لإنقاذ سمعة الولايات المتحدة وإعادة الثقة بسياستها وقيادتها، لاسيما مع حلفائها، وذلك من خلال الخطوات الفورية الآتية: إحياء الديمقراطية، وحماية المستقبل الاقتصادي لكي تتمكن من قيادة العالم.

وعملياً ماذا يمكن أن نتوقع؟ هل هدنة مع الصين، واستراتيجية احتواء جديدة لروسيا؟ وكيف يمكن إعادة تصدير الديمقراطية إلى إيران وتركيا وفنزويلا وكوبا ونزع سلاح كوريا الشمالية؟ هل بأغلفة أيديولوجية أم بقيم أخلاقية أم بمنظومة اقتصادية وسياسية واجتماعية وعسكرية وأمنية شاملة؟

الجواب ليس سهلاً وبقدر ما هو معقد، فإنه ينطوي على احتمالات عدة غير صيغة السؤال المطروحة، فليس من الممكن وقف طموح الصين لتصبح أقوى دولة في العالم اقتصادياً في عام 2030.

وكانت خطة «احتواء روسيا» قد فشلت في السابق؛ بل إنها لم تكن مجدية ولا فاعلة، وقد استعادت روسيا مواقعها وبعض مناطق نفوذها على صعيد الخريطة السياسية العالمية، بما فيها الشرق أوسطية.

أما مواجهة تركيا وإيران أو احتوائهما فليس بهذه البساطة بفعل سياسات واشنطن في المنطقة، وثمة مشكلات قائمة مع الاتحاد الأوروبي فبعض دوله لجأت إلى واشنطن على حساب الأطلسي، وبعضها الآخر يعاني أزمات اقتصادية حادة، أما بريطانيا فقد خرجت منه إلى غير رجعة، ولم يستطع الاتحاد الأوروبي أن يتحول إلى قوة جيوسياسية مؤثرة، فماذا يستطيع بايدن أن يفعل في كل هذه المتناقضات؟

* د. عبد الحسين شعبان أكاديمي ومفكر عراقي نائب رئيس جامعة اللاّعنف وحقوق الإنسان (أونور) في بيروت.

المصدر | الخليج - الشارقة