الأحد 6 ديسمبر 2020 09:27 ص

لبنان: رؤى قاصرة وتهديدات لا تغني من جوع

قصورٌ كبير في تعامل اللبنانيين مع وضعهم المأساوي لا تبرره الصدمة رغم قوتها فقد ظنوا طويلاً أنهم من "طينة أخرى"!

الحكومة المنتظَرة هي نفسها الحكومة التي استقالت على وقع احتجاجات 17 تشرين الأول 2019، ضد النهب وسوء الإدارة.

وهي نفسها التي استقالت على فضيحة إثر انفجار المرفأ وهي نفسها من أوصل أصلا البلد إلى ما هو فيه. فكفى عبثاً، واتقوا الله في الجياع واليائسين.

خرج ماكرون خرج خائباً من زيارتيه للبنان بعد انفجار المرفأ نظرا لمزيج من جهل فاضح حتى "السذاجة" بتوازنات البلد وتعالي يذكّر بالاستعمار أو بالوصاية.

*     *     *

الإدارة الأمريكية السالفة، التي ما زالت تمارس صلاحياتها، تقول موقفها المختصَر، بلا مراعاةٍ دبلوماسية، وبصلافة أدخلها ترامب إلى السياسة– بما فيها تلك الدوليةُ:

تقومون بما ندعوكم إليه، وإلا فتباً لكم، لن تحصلوا على قرش واحد من المساعدة، وسنقصفكم بالعقوبات الجماعية والفردية، ونطلق يدَ إسرائيل عليكم.

ومن ضمن ما يدعو إليه الأمريكان، يَرِد أولاً طلبُ موقفٍ حاسم من حزب الله لا يقوى على اتخاذه حتى من يرغب به، بسبب التوازنات القائمة في البلاد وبسبب الخوف، وكذلك طلبُ تفاهمٍ مع إسرائيل لا تكفي فيه المباشرةُ بمفاوضات (لترسيم الحدود أو ما شئتم) بل ينبغي إثباتُ حسن النية– من قبل لبنان– بالتنازل عن أراضٍ، واتخاذُ مواقفَ.

يقولها مايك بومبيو، وتقولها سفيرته في بيروت cash في مخالفة غير مسبوقة لكل الأعراف. هؤلاء اقتربَ رحيلهم، لذا فهم مستعجلون، ويلقون بقراراتهم الواحد تلو الآخر، وبعضها سيصعب تفكيكه، أو الرجوع عنه حتى من قبل الإدارة القادمة، على فرض أنها ترغب بذلك.

هناك مستعجلٌ آخر، لأسباب مختلفة. فمنذ يومين عقد الرئيس الفرنسي، مع الأمين العام للأمم المتحدة والبنك الدولي و32 بلداً، و12 منظمةً دولية... و7 منظماتٍ من المجتمع المدني اللبناني (من اختارها هذه المرة يا ترى؟؟).

هذا المؤتمرُ الثاني في قصر الإليزيه (عبر الفيديو) يهدف إلى "مساعدة السكان في لبنان" (وهو توصيفه الرسمي الموحي بأنه نقديّ تجاه الحكام الفاسدين)، وكان مناسبة للتشديد على الحاجة للإسراع بتأليف حكومة تقوم بإصلاحات.

ومن دونها لن يحصل لبنانُ على "المساعدة البنيوية" المطلوبة. ويبدو أن تعبير "بنيوي" قد راق للرئيس عون، الحاضر كذلك عبر الفيديو، فصار في فمه "إصلاحات بنيوية".

ماكرون كان قد خرج خائباً من زيارتيه إلى لبنان عقب انفجار المرفأ منذ أربعة أشهر، بسبب ما بدا أنه مزيجٌ من الجهل الفاضح (حتى قيل "السذاجة") بتركيبة البلد وتوازناته، ومن التعالي الذي يذكّر إن لم يكن بالاستعمار–غير المتوفرة شروطه–فبالوصاية، ولأن أوامره التي منح تنفيذها مهلة 15 يوما، كانت تعاكس المعطيات والصراعات القائمة في البلد.

في هذا الاجتماع الجديد ذكّر بأنه سيعود إلى لبنان في الشهر الجاري لأنه "لا يتخلى عن شيء: وعودنا وما نتطلبه، سواء بخصوص الإصلاحات، أو التحقيق بالانفجار"، وفق ما قال في صياغة أنيقة يهواها هو بشكل خاص، ولكنها أيضاً عادةٌ ثقافية فرنسية.

في الأثناء، كان اهتمام اللبنانيين – كل اهتمامهم - منصبّاً على الكلام الذي قاله في اليوم نفسه حاكم المصرف المركزي في مقابلة تلفزيونية – وليس في تصريح رسمي! قال إن أموال اللبنانيين، وودائعهم ليست في حوزة البنك المركزي، بل هي في البنوك حيث وُضعت أصلاً.

وقال ببراءة مستفِزة إن الأموال المودعة بالدولار لن تبقى كذلك، لأنه و"كما هو حال كل بلدان العالم" فالتعاملات والحسابات تتم بالعملة الوطنية.. وكأنما اللبنانيون هم من احتالوا على البنوك، وأجبروها على قبول ودائعهم ومدخراتهم بالعملات الأجنبية.

ولم يقل أكثر من ذلك في هذا الصدد، محافظاً على الإثارة: من قرر ذلك؟ ووفق أي سعرٍ للصرف، وبأي نسب؟ ومتى؟ وهل هناك تدقيقٌ محاسبي، أم هو كلام للتسلية؟ الوثن الجديد وحده يعرف، والباقون نيامٌ!

وفي الأثناء أيضاً، يزداد كل يوم الوضع العام رداءةً على كافة الصعد، ويتعاظم الانهيار، ومعه انفلات الجريمة على أنواعها، والهجرة من البلاد على أنواعها، تلك النظامية، كما تلك التي تجري في قوارب الموت...

وفي تعامل اللبنانيين مع وضعهم المأساوي قصورٌ كبيرلا تبرره الصدمة رغم قوتها. فاللبنانيون ظنوا طويلاً أنهم من "طينة أخرى"، متعالين على السوريين مثلاً، وهم جيرانهم الأقرب، ومتعالين على كل المحيط.

وهم لم يدركوا أن دمشق وبغداد كانتا حاضرتين عريقتين ومزدهرتين حتى الأمس القريب بمقياس الزمن التاريخي وليس اللحظة الآنية، وأن المجتمعات لو تُركت للعابثين، أو تغافل الناس عن تطلّب ما هو ضروري وأساسي لاستقامة حياتهم المشتركة والعامة، فهي تنهار وتتراجع.

اللبنانيون يبحثون عن حل سريع وشاف (ومنه المنقذ المزعوم، ومنه الأمل الكاذب والغافل بمعجزة)، تماماً مثلما هي ردة الفعل العامة في العالم حيال جائحة كورونا وويلاتها: هاتوا لقاحات، ولنُنهي المسألة الآن وفوراً.

وهو منطقٌ يتجه لعلاج بعض النتائج، وتحكمه الرغبة العنيدة في التعامي عن الأسباب وعن المسببات، ورفض للنظرة الشاملة، ولسؤال الخيارات المتبعة.. إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

سيعتاد اللبنانيون على أحوالهم "الجديدة"، فمن يبقى يتلقى بعض المساعدات، كتلك التي تكلم عنها الرئيسُ الفرنسي–طحيناً ونقوداً وأدويةً وقرطاسية– أو تحويلات متواضعة من الأبناء الذين غادروا متى ما أمكنهم ذلك.

ولأن لا ماكرون ولا سواه يمكنه أن يكون "منقذاً"– ولا وجودَ لهذه الصيغة بالأصل–(وهو بالمناسبة سينجز عملاً جباراً لو تمكن من تقديم رواية محقّقة لانفجار المرفأ مثلاً)، ولأن الحكومة المنتظَرة، هي نفسها الحكومة التي استقالت على وقع احتجاجات 17 أكتوبر 2019، ضد النهب وسوء الإدارة! وهي نفسها التي استقالت على إثر فضيحة انفجار المرفأ، وهي نفسها من أوصل أصلاً البلد إلى ما هو فيه، فهي لن تمثل فرقاً، سواء تشكلت، أو لم تتشكل. فكفى عبثاً، واتقوا الله في الجياع واليائسين.

* نهلة الشهال كاتبة وناشطة لبنانية، رئيسة تحرير "السفير العربي".

المصدر | السفير العربي