الأحد 6 ديسمبر 2020 12:50 م

العراق: تظاهرات الناصرية تؤجج الصراع الشيعي بين أتباع مرجعية النجف والفصائل الولائية

الكاظمي لا يجرؤ على التصدي لاعتداءات أتباع الصدر ولا الميليشيات الأخرى المدعومة من الأحزاب السياسية.

اتساع الهوة بين التيار الصدري وبين الأحزاب الأخرى والشارع الشيعي والعراقي عموما نتيجة سلوكيات بعيدة عن المصلحة الوطنية.

تصدى الصدريون لمتظاهرين بعد تصريحات انتقد فيها الصدر التظاهرات وأعلن سعيه لرئاسة الحكومة ودعا لإحياء "البيت الشيعي" تعزيزا لنهج طائفي.

*     *     *

مرة اخرى يضع الزعيم الديني مقتدى الصدر، تياره بمواجهة إرادة الشعب الإصلاحية وطموحات الأحزاب الشيعية المنافسة، من خلال تصديه للتظاهرات الشعبية الساعية للإصلاحات، وإعلانه عزمه تولي أتباعه الحكومة المقبلة، مما يفاقم الصراع الشيعي الشيعي سواء بين الأحزاب أو بين فصائل الحشد الشعبي، على مغانم السلطة والشارع الشيعي.

فبعد تكرار أتباع التيار الصدري، التصدي المسلح للمتظاهرين المطالبين بالإصلاحات في مدينتي الناصرية والكوت جنوب العراق، وسقوط عشرات الشهداء والإصابات إضافة إلى حرق مخيمات الاعتصام، يبدو واضحا ان التيار الصدري أصبح يتصدر مهمة إنهاء الحراك الشعبي في هذه المرحلة، فيما تقف القوات الأمنية الحكومية عاجزة عن حماية المتظاهرين رغم وعود رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي مرارا بحمايتهم من الاعتداءات.

وجاء تصدي الصدريين للتظاهرات بعد صدور تصريحات متضاربة لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، انتقد فيها التظاهرات، وأعلن عزمه على تحقيق أتباعه، الأغلبية البرلمانية في الانتخابات المقبلة للحصول على رئاسة الحكومة، مع دعوته إلى إحياء “البيت الشيعي” التي اعتبرها العراقيون تعزيزا جديدا للنهج الطائفي في العملية السياسية.

ويلمس العراقيون أن الكاظمي لا يجرؤ على التصدي لاعتداءات أتباع الصدر ولا الميليشيات الأخرى المدعومة من الأحزاب السياسية، فيما يبدو انه يسعى إلى التهدئة لحين الانتخابات في حزيران/يونيو المقبل، مفضلا عدم التصدي للفصائل رغم انها تتعمد تحدي الدولة وتحرجها كما تهيمن على مؤسساتها.

وقد انتشرت تسريبات ان الكاظمي يراهن على التحالف مع التيار الصدري لترجيح كفته في الانتخابات، وان هناك اتفاقا بين الطرفين على إنهاء الاحتجاجات سريعا، حسب المراقبين.

وعزز هذا الرأي عدم قيام الحكومة بردع اعتداءات أتباع الصدر على المتظاهرين، إضافة إلى إعلان نشطاء، قيام القوات الأمنية بحملة ملاحقة لهم في الناصرية بالتزامن مع وجود الوفد الأمني الذي أوفده الكاظمي إلى الناصرية بدعوى التهدئة وحماية المتظاهرين.

وقد جاء قرار تنسيقية تظاهرات الناصرية ازاء اعتداءات أتباع الصدر عليهم ، بالصمود وعدم إنهاء الاعتصام، ودعمتهم في ذلك عشائر الناصرية وتنسيقيات المحافظات إضافة إلى مرجعية النجف والرأي العام العراقي.

ولذا رد المتظاهرون على الاعتداء عبر توافد الآلاف منهم إلى ساحة الحبوبي وسط مدينة الناصرية مرددين شعارات تؤكد استمرار الاحتجاجات حتى تحقيق المطالب، وتنتقد اعتداء الصدريين عليهم.

فيما دعت التنسيقيات، إلى تظاهرات واسعة، يوم الجمعة التالية، في بغداد وبقية المحافظات أطلقوا عليها "جمعة الناصرية" للإعلان عن رفض القمع، والمطالبة بمحاسبة قتلة المتظاهرين، في تحد واضح لدعوة الصدر للمتظاهرين "بالعودة إلى بيوتهم" وتحذيره من مغبة الاستمرار فيها، ووصفه الاعتصامات بـ"الهزيلة والمخالفة للقانون والشرع!".

وفي السياق، ثمة إشارات جاءت من النجف، مركز المرجعية الشيعية، تحمل الكثير من الدلالات، أولها استقبال نجل المرجع علي السيستاني لوفد من متظاهري الناصرية وإعلانه دعم مطالبهم ورفض الاعتداء عليهم، في إشارة إلى هجوم الصدريين الأخير.

والتطور المهم الآخر، هو عقد فصائل مسلحة ضمن الحشد الشعبي ومرتبطة بمرجعية النجف، مؤتمرها الأول، بهدف ترتيب أوضاع الفصائل المسلحة الأربعة التي تم انشاؤها بموجب فتوى المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني عام 2014 لدعم القوات الحكومية بمواجهة تنظيم “داعش” حيث تشكل هذه الفصائل نحو 40 في المئة من قوات الحشد الشعبي، ولكنها تتهم الفصائل الولائية بالهيمنة على قيادة الحشد وتهميشها.

وقد قرر المؤتمر منع مقاتليه من الدخول في النشاط السياسي أو الارتباط الحزبي بكل أشكاله، والخضوع لأوامر الحكومة، التي طالبها باتمام خطوات تطبيق قرارها السابق بارتباط الفصائل الأربعة بالقائد العام للقوات المسلحة، لتأكيد انفصالها عن قيادة الحشد الشعبي التي تهيمن عليها الفصائل الولائية.

والتي تم تشكيلها من قبل الحرس الثوري الإيراني قبل ظهور الحشد وأبرزها حزب الله والعصائب وبدر، حيث تعلن دائما ولاءها لطهران، وسط اتهامات لها بقمع التظاهرات وملاحقة ناشطيها.

وبالنسبة لأوضاع التيار الصدري، فقد تابع المراقبون، بروز خلافات بين أعضائه حول طريقة التعامل مع المتظاهرين السلميين مؤخرا، نتج عنها قيام التيار بطرد بعض أتباعه في النجف “لعدم تنفيذ أوامر الصدر” وإجراءه تغييرات في قيادات مكاتب الإعلام والعلاقات في التيار.

والحقيقة ان الخلافات والانقسامات ليست محصورة داخل التيار الصدري فحسب، بل امتدت إلى مواقف القوى الشيعية الرافضة لدعوة الصدر بتحقيق الأغلبية في الانتخابات لتشكيل الحكومة المقبلة من أتباعه حصرا، وهو ما يعكس تنافس الأحزاب والفصائل المسلحة على السلطة ومنافعها والشارع الشيعي.

وحتى صمت تلك القوى إزاء اعتداء الناصرية، فانه لم يكن مستغربا، بل يعكس رغبتها وسعيها لإنهاء الحراك الإصلاحي من جهة، إضافة إلى دفع الصدريين إلى مزيد من السلوكيات التي تضعف علاقتهم بالقاعدة الشعبية الشيعية، خاصة ان تنسيقيات التظاهرات وقوى سياسية، سبق ان وجهت مرارا، اتهامات للصدريين بالاعتداء على المتظاهرين، ضمن محاولات إنهاء الاعتصامات في بغداد والمحافظات الجنوبية.

وفي كل الأحوال، المؤكد اتساع الهوة بين التيار الصدري وبين الأحزاب الأخرى والشارع الشيعي والعراقي عموما، نتيجة سلوكيات بعيدة عن المصلحة الوطنية.

وخاصة دور التيار في محاولة إجهاض الحراك الإصلاحي وكسر إرادة الشعب، من أجل استمراره مع بقية أحزاب السلطة في الهيمنة على الدولة، دون اغفال ان الضائقة الاقتصادية الحالية وتقلص موارد العراق، زادت من حدة التنافس الشرس على الموارد والسلطة بين الأحزاب والميليشيات.

لذا لا يمكن استبعاد الانقسامات أو التحالفات بين القوى الشيعية، عن التحضير للانتخابات المقبلة، ومحاولات ترميم أوضاعها بعد إصابتها بانتكاسة كبيرة في الشارع الشيعي جراء وقوفها ضد مصالح وإرادة القاعدة الشعبية العراقية عموما التي كانت المتضرر الأكبر من العملية السياسية الفاشلة.

المصدر | القدس العربي