روسيا.. لا هنا ولا هناك؟!

لا تمتلك روسيا «شيئا مفاهيميا» خاص بها مع أنه بإمكانها أن تملكه لكنها لا تفعل!

الدور الذي يمكن أن يعطى لروسيا في إطار المشروع الصيني أو الهندي الاجتماعي سيكون متواضعاً للغاية.

مع كساد يُتوقع تفاقمه يتعزز نهج الغرب وحتى لو تمت السيطرة على وباء كورونا ستستمر تبعاته الاجتماعية الاقتصادية طويلا.

هل هيمنة النيوليبرالية واقتصاد السوق وأزمة العالم الاقتصادية الراهنة التي فاقمتها جائحة «كورونا» ستدفع لتحولات نحو اليسار؟

لحدوث تغيرات نحو اليسار بالغرب يلزم تحولات عميقة «تقارب كسر النظام» مما لا توجد معطيات تجعله خياراً واقعياً محتملاً.

*     *     *

خلصنا في مقال سابق إلى أن «موسكو تسلّم العهدة لبكين»، على ضوء عرضنا لرأي خبير روسي يذهب فيه إلى أن «العالم يغدو ثنائي القطبية، كما كان خلال الحرب الباردة»، لكن بين أمريكا والصين، على خلاف الثنائية القطبية السابقة بين أمريكا والاتحاد السوفييتي.

ومع إقراره بأنه ما زال ثمة دور بوسع روسيا أن تلعبه في عالم اليوم، فإنه يؤكد أن الصين كانت مستعدّة لدورها الدولي المقرر، وجاهزة للتحول الجاري في العالم.

ليس بعيداً عن هذا الرأي نطالع رأياً لخبير روسي آخر هو كيريل كوكتيش، الباحث في معهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية، يذهب أيضًا إلى الفكرة نفسها، منطلقاً من نظرته للأفق الواقعي لتحوّل العالم نحو اليسار، ولتعاون متكافئ بين روسيا والصين، على ضوء الهيمنة الراهنة للأفكار النيوليبرالية واقتصاد السوق، وما إذا كانت الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة التي فاقمت منها جائحة «كورونا» ستدفع لتحولات نحو اليسار.

ومع إقراره بأن البلدان الرأسمالية المتطورة عصيّة حالياً على التغيير الجذري، فلحدوث مثل هذه التغييرات يلزم تحولات عميقة «تقارب كسر النظام»، وهذا ما لا توجد معطيات تجعل منه خياراً واقعياً محتملاً.

لكنه يرى أن الصين، وكذلك الهند في حدود معينة، تملكان إمكانات جدية لتحقيق اختراق في هذا المجال، تجعل منهما مجتمعين أقرب إلى مفهوم العدالة الاجتماعية الذي يمعن الغرب في تجاهله.

ومع الكساد المتوقع تفاقمه، سيتعزز هذا النهج الغربي، فحتى لو أمكن السيطرة على وباء «كورونا» أو الحدّ منه، فإن تبعاته الاجتماعية – الاقتصادية ستستمر لفترة طويلة.

ويستثني هذا الخبير بلده روسيا من أن تكون طرفاً مقرراً في استقطاب متوقع حول برامج الرعاية الاجتماعية، والسبب، في رأيه، عائد إلى أن روسيا مازالت تنتظر. «إنها ليست هنا ولا هناك، إنها لا تزال بين بين». ويبلغ تشاؤمه حدّ التوقع بأن الدور الذي يمكن أن يعطى لروسيا في إطار المشاريع الصينية أو الهندية، سيكون متواضعاً للغاية.

يُبدي الرجل حزنه لعدم امتلاك روسيا لما يصفه بـ«شيء مفاهيمي» خاص بها، مع أنه بإمكانها أن تملكه، لكنها لا تفعل.

ويذكر برؤية للسياسي المخضرم، الراحل يفغيني بريماكوف (1929 – 2015)، الذي راكم خبرة سياسية ثرية في العهدين السوفييتي وما تلاه أيضاً، حيث شغل منصب رئيس الوزراء في فترة من الفترات، وقبل ذلك كان مدير معهد الاستشراق في موسكو، حيث دعا إلى قيام ثالوث صيني-هندي-روسي يمكن أن يلعب دوراً عالمياً وازناً.

* د. حسن مدن كاتب صحفي من البحرين

المصدر | الخليج - الشارقة