هل يصبح السودان، أول اختبار جدي لـ «ديمقراطية» إدارة بايدن؟

من المسؤول وهل يمكن تبرئة الفريق العسكري من وزر هذا الفشل والتخبط؟

مخاطر انقلاب على «مشروع الثورة» في السودان استجابة لرغبة «قوى الثورة المضادة» في السودان والإقليم.

تدحرجت كرة «التطبيع» استقواءً بشبكة الأمان الأمريكية الإسرائيلية لقطع الطريق على انتقال السودان للحرية والديمقراطية.

سيصبح السودان أول اختبار جدي لإدارة بايدن التي أعربت عن نواياها بدعم قيم الحرية وحقوق الانسان والانتقال الديمقراطي.

*     *     *

لا يكاد يمضي أسبوع واحد، من دون أن يشهد السودان، جولة جديدة من جولات الصراع المحتدم بين جناحي السلطة الانتقالية، المدني والعسكري...آخر هذه الجولات، تلك المتعلقة بالدور الاقتصادي للمؤسسة العسكرية.

الجنرالات، يصرون على «حقهم» في الاستثمار في مختلف القطاعات الاقتصادية، حتى المدنية منها، والحكومة ممثلة للجناح المدني، تريد اقتصار هذا «الحق» على الصناعات الدفاعية والأمنية.

الجنرالات يجزمون بأن مؤسساتهم هي الأكفأ والأقدر على تلبية احتياجات السوق، والحكومة تُساجل بأنها تفتقر للشفافية ولا تطالها المساءلة والمحاسبة، تقضي على المنافسة وتفتح الباب رحباً للاحتكار.

قبلها، كان الفريقان يتبادلان الاتهامات حول خطة الفريق العسكري لانشاء ما يعرف باسم «مجلس الشركاء» الجنرالات نجحوا في تمرير مشروعهم على مراحل...

- المرحلة الأولى، تمت بذريعة إتمام السلم الأهلي، وإدماج الفصائل المقاتلة في مؤسسات الحكم الانتقالي،

- المرحلة الثانية، كشفت عن المستور من «النوايا الخبيئة» الكامنة وراء المشروع:

1. التعدي على صلاحيات الحكومة المدنية رئيساً ووزراء.

2. الاستقواء بفصائل وميليشيات لم تختبر الكفاح المدني يوماً، لاستحداث تغيير في توازنات القوى داخل «مجلس السيادة».

3, تعطيل، إن لم نقل إلغاء، تشكيل مجلس تشريعي انتقالي، وهي المؤسسة الانتقالية الأهم، التي كان يتعين أن ترى النور قبل عام تقريباً.

عسكر السودان، نجحوا كذلك في تمديد الفترة الانتقالية بأربعة عشر شهراً إضافة للأشهر التسعة والثلاثين التي نصت عليها «الوثيقة الدستورية»، ودائماً بذريعة منح مزيد من الفرص لاستعادة السلام في أقاليم السودان المترامية المختلفة.

حتى في مسألة تطبيع العلاقات مع إسرائيل، كان الخلاف واضحاً للعيان، فالطرف العسكري، بدا الأكثر حماسة لهذا الخيار، والأكثر إمساكاً بهذا الملف...لقاء عنتيبي بين نتنياهو – البرهان، تم من وراء ظهر الحكومة.

وآخر زيارة لوفد إسرائيلي للخرطوم تمت بالطريقة ذاتها، وبذريعة أنها ذات طابع عسكري هذه المرة، اقتصرت على بحث التعاون في المجالين الأمني والعسكري وزيارة للصناعات الدفاعية السودانية. وكأن الحكومة لا صلة لها بالسياسات الأمنية والدفاعية، لكي تجري الزيارة من دون علمها حتى لا نقول: من دون قرارها.

قبل أيام، كان رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، يشن أعنف هجوم على مؤسسات الحكم والحكومة الانتقالية. اتهمها بالفشل الذريع في تلبية تطلعات الشعب السوداني وسداد حاجاته واحتياجاته، حمل على إدارتها للملفات الاقتصادية والاجتماعية.

بدا لبرهة من الوقت، أن من يتحدث، رجل من «المعارضة» وليس جنرالاً قابعاً على رأس هرم السلطة في البلاد، وبين يديه وحده، مفاتيح حل هذه الأزمات أو «تأزيمها».

لا يعني ذلك بالطبع، أن أداء الحكومة والمؤسسات، كان خالياً من مظاهر الفشل والتقصير، لكن السؤال الأكثر جدية، إنما يدور في مطرح آخر: من المسؤول، وهل يمكن تبرئة الفريق العسكري من وزر هذا الفشل والتخبط؟.

وأخيراً، ما هو الهدف من هذه الحملة، وهل هي توطئة لوضع حد نهائي لـ»ثنائية المدني والعسكري» في السلطة الانتقالية، عبر خطابات «شعبوية» تتوخى اللعب بعواطف الناس وحاجات المواطنين، واستنفار غضبهم وغرائزهم؟

كنّا منذ البداية، نحذر من مخاطر انقلاب على «مشروع الثورة» في السودان، استجابة لرغبة «قوى الثورة المضادة» في السودان والإقليم. وعندما تدحرجت كرة «التطبيع» حذرنا من مغبة الاستقواء بشبكة الأمان الأمريكية الإسرائيلية لقطع الطريق على انتقال السودان نحو ضفاف الحرية والديمقراطية...

اليوم، تأخذ التطورات في هذا البلد العربي – الأفريقي الكبير، منحى أكثر خطورة، وربما يصبح السودان، من حيث يريد أو لا يريد، أول اختبار جدي لإدارة بايدن الجديدة، التي لم تتردد في البوح عن نواياها بدعم قيم الحرية وحقوق الانسان والانتقال الديمقراطي.

* عريب الرنتاوي كاتب صحفي أردني

المصدر | الدستور