الثلاثاء 29 ديسمبر 2020 07:56 ص

بايدن والأمن السيبراني

ما الأمن السيبراني؟ وما هي القوة التي يتمتع بها لتنشغل به استراتيجيات الدول العظمى؟

أين موقع الأمن السيبراني في الصراع الدولي كـ«قوة ناعمة» إلى جانب القوة الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية الأخرى؟

ماذا يمكن لبايدن أن يفعل بعد تسلمه إدارة البيت الأبيض بشأن الاختراقات الروسية؟ هل يفرض عقوبات مالية وغير مالية جديدة ضد روسيا؟

العقوبات الأمريكية ستشمل عمليات اختراق انتقامية للبنية التحتية الروسية كما تخطط الإدارة الأمريكية لإغلاق قنصليتين أمريكيتين في روسيا.

*     *     *

روسيا... روسيا.. روسيا، هي أول كلمة تخرج عند حدوث اختراق، لأن وسائل الإعلام التي تفتقر للنزاهة والمهنية لا تهتم غالباً لأسباب مالية؛ بحيث احتمال أن يكون الأمر متعلقاً بالصين، (ربما) هذا ما ورد على لسان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعليقاً على ما نقلته وسائل الإعلام من حدوث اختراقات خطِرة لمؤسسات أمريكية عليا.

وكان مكتب التحقيق الفيدرالي (FBI) ووكالة الأمن السيبراني وإدارة الاستخبارات، قد أكدوا جميعهم وفي بيان مشترك: حصول خرق (سيبراني) جراء عملية قرصنة تعرّضت لها إدارات ومؤسسات فيدرالية أمريكية.

ورغم أن التحقيقات لم تنتهِ إلا أن وزير الخارجية مايك بومبيو وجّه الاتهام إلى روسيا صراحة، وأشار إلى أنها وراء الهجمات السيبرانية المتكررة، وهو أمر ثابت، مثلما حاولت التدخل في الانتخابات الأمريكية لأعوام 2008 و2012 و2016.

وكان الاختراق قد اكتُشف بالصدفة في سياق تحقيق أجرته شركة «فاير أي» على خلفية قرصنة تعرضت لها الشبكة، إضافة إلى 12 إدارة فيدرالية كما ذكر موقع «بولتيكو» الإلكتروني وهو ما ورد في صحيف«نيويورك تايمز»، وهذه الإدارات تتعلق بمعاهد صحية ووزارات الخزانة والتجارة والأمن الوطني والدفاع ومصرف الاحتياط الفيدرالي.

وقبل أن نأتي على ردود فعل الرئيس جو بايدن على «اختراق روسيا» نود أن نشير إلى أن الحزب الديمقراطي الأمريكي كان قد اتهمها في وقت سابق خلال انتخابات عام 2016 التي بسببها كما يعتقد وصل الرئيس ترامب إلى سدة الحكم.

لكن الأخير حاول التشكيك بصحة تلك الاتهامات التي ذهبت أبعد من ذلك حين اعتبرته متواطئاً معها، كما أنه حاول التعامل مع تلك التهم باستخفاف شديد وحاول التقليل من قيمتها وأهميتها.

لكن ما الأمن السيبراني؟ وما هي القوة التي يتمتع بها لكي تنشغل به استراتيجيات الدول العظمى؟ وأين موقعه في الصراع الدولي كـ«قوة ناعمة» إلى جانب القوة الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية الأخرى؟

وهو سؤال طالما أخذ يتردد في وسائل الإعلام والأحاديث السياسية والاستراتيجيات الأمنية والاستخبارية على المستوى الكوني، والذي من مفرداته «الفضاء السيبراني» و«الردع السيبراني» و«الهجمات السيبرانية» و«الجريمة السيبرانية».

 ومثل هذا السؤال طرحه أحد أعضاء لجنة المناقشة لأطروحة ماجستير بعنوان «اللاعنف في العصر الرقمي» تقدم بها أحد الطلبة المتميزين ونال عنها درجة امتياز في جامعة «اللاعنف» ببيروت.

وبالعودة إلى الأطروحة التي أشرفت عليها، يمكن القول إن الأمن السيبراني يعني «أمن المعلومات» أي «أمن الحاسوب» (الكومبيوتر) وهو فرع من فروع التكنولوجيا الحديثة والمتطورة، علماً بأن العالم يمر في الطور الخامس من الثورة الصناعية.

وهو يُعنى بممارسة حماية الأنظمة والممتلكات والشبكات والبرامج من الهجمات الرقمية التي تهدف عادة الوصول إلى المعلومات الحساسة أو تغييرها أو تشويهها أو إتلافها أو ابتزاز المال من المستخدمِين أو تعطيل العمليات التجارية.

 وبهذا المعنى سيكون أي شخص يمتلك جهازاً خليوياً معنياً بهذه المسألة ويستطيع الدخول إلى شبكات الإنترنت لحماية نفسه وأمنه وأسراره التي يمكن أن تنتشر على فضاء الإنترنت الذي يحمل الخير والشر.

وحسب إدوارد أموروسو في كتابه «الأمن السيبراني» الصادر في عام 2007، فإن ما نطلق عليه الأمن السيبراني يعني مجموع الوسائل التي من شأنها الحد من خطر الهجوم على البرنامجيات أو أجهزة الحاسوب أو الشبكات، أي ضد الوسائل والأدوات المستخدمة في القرصنة وكشف الفيروسات الرقمية وتوفير الاتصالات المشفرة.

لذلك سترتفع خلال العقد المقبل على نحو هائل معدلات الإنفاق على الأمن السيبراني، جراء توجّه العالم بشكل جذري نحو تكنولوجيا أجهزة الاستشعار وربطها بشبكات الإنترنت؛ إذ سيكون بالإمكان تتبع كل شيء من ضربات القلب ومعدلات الحركة، إلى نوعية النوم وغيرها من المعلومات التي يحرص البعض على حمايتها بكل الوسائل للحفاظ على الخصوصية.

فماذا يمكن لبايدن أن يفعل بعد تسلمه إدارة البيت الأبيض بشأن الاختراقات الروسية؟ هل سيعمل على إصدار عقوبات جديدة ضد روسيا بما فيها عقوبات مالية أم ثمة وسائل أخرى؟

فحسبما يبدو أن العقوبات ستشمل عمليات اختراق انتقامية للبنية التحتية الروسية، وبحسب وكالة «رويترز» قد تكون عقوبات مالية أيضاً، كما تخطط الإدارة الأمريكية لإغلاق قنصليتين أمريكيتين في روسيا.

أما الكرملين فقد نفى من جانبه أي دور له في عملية القرصنة المذكورة رغم إشادة الرئيس فلاديمير بوتين بدور وكالة الاستخبارات الخارجية الروسية SFA بمناسبة مرور 100 عام على تأسيسها بقوله «إنه فخور بالعمليات المهنية الصعبة التي نفذتها». وهكذا سيكون الأمن السيبراني مهيمناً على الصراع الدولي.

* د. عبد الحسين شعبان أكاديمي ومفكر عراقي، نائب رئيس جامعة اللاّعنف وحقوق الإنسان (أونور) في بيروت.

المصدر | الخليج