الخميس 31 ديسمبر 2020 07:24 ص

الوقائع لا تتحدث وحدها

ما نحسبه نحن وقائع لا يحسبه غيرنا كذلك فالواقعة نفسها قابلة للتأويلات المختلفة، لا بل والمتناقضة.

هي «واقعة» في أعيننا لأننا فسرناها بما يلائم هوانا، فيما سوانا يفسرها، لا بل ويٌكيّفها بما يناسب هواه.

«الوقائع كالحقائب لا تستقيم إلا إذا وضعت شيئاً بداخلها» هكذا يجري تعبئة المحتوى أو المغزى فيما يسمّى «الوقائع»، فلا تعود محايدة.

*     *     *

حين يراد التأكيد على صحة موقف ما بتدعيمه بما نحسب أنها وقائع تسند هذه الصحة نقول: «الوقائع تتحدث عن نفسها»، ويجري تعداد الإشارات على تلك الوقائع أو المواقف التي يفترض أنها تتحدث عن نفسها، وبالتالي صحّة ما ذهبنا إليه من رأي أو مجموعة آراء.

ما نغفل عنه أن ما نحسبه نحن وقائع، لا يحسبه غيرنا كذلك، فالواقعة نفسها قابلة للتأويلات المختلفة، لا بل والمتناقضة. هي «واقعة» في أعيننا لأننا فسرناها بما يلائم هوانا، فيما سوانا يفسرها، لا بل ويٌكيّفها بما يناسب هواه.

هذا الأمر بالذات هو الذي حمل المؤرخ إدوارد كار في كتابه: «ما هو التاريخ» للجزم بأن الوقائع لا تتحدث عن نفسها، فالوقائع، من وجهة نظره، تتحدث فقط عندما يستدعيها المؤرخ منتخباً منها ما يراه هو ضرورياً لأن تتحدث، «وبأي ترتيب وفي أي سياق»، وهو إذ يفعل ذلك يكون قد أهمل، إما سهواً أو بقصد، وقائع أخرى لم ينتبه لها، أو تعمّد إقصاءها، لأنها لا تخدم السردية التي يريدها، زاعماً في الكثير من الحالات، أنها تتحدث عن نفسها.

وينقل إدوارد كار عبارة لويغي بيرانديلو، الكاتب والمسرحي والشاعر الإيطالي، الحاصل على جائزة «نوبل» للآداب عام 1934، وردت على لسان إحدى شخصيات عمل من أعماله الأدبية تقول: «إن الوقائع مثل الحقائب لن تستقيم إلا إذا وضعت شيئاً بداخلها»، وهي عبارة بليغة لأنها تظهر كيف يجري تعبئة المحتوى أو المغزى فيما يطلق عليه لفظ «الوقائع»، فلا تعود محايدة.

وهي وقائع قد لا يختلف المؤرخون على أنها جرت فعلاً، ولكنهم ما أكثر ما يختلفون على تفاصيل وقوعها، ومسبباتها الحقيقية وعلى ما ترتب عليها من متغيرات، شكّلت ما يوصف بـ«الانعطافة».

ليس كل ما جرى في الماضي وقائع تاريخية، لا بمعنى أنها لم تحدث، ولكن لأن التاريخ، أو بالأحرى المؤرخين، لم يولوها انتباهاً، إما لأنهم لم يجدوا فيها ما يستحق أن يدّون أو أنهم تعمدوا طمسها، هذا إذا اقتربنا مما يمكن أن نصفه بـ«غائية» التاريخ.

لكن الأمر لا يقف عند هذه الغائية، ذلك أن البحر الذي عبره أسطول من جيشٍ ذاهب لمعركة، تعبره كل يوم أساطيل أخرى في مهام مختلفة، لكنها لم تستوقف المؤرخ، لأن إبحارها من وجهة نظره ليس تاريخاً أو لا يرتقي إلى مثابة الحدث التاريخي، فيما استوقف أسطول الجيش الغازي الاهتمام، لأن على عبوره هذا البحر ترتبت نتائج صنعت واقعاً جديداً، غير ذاك المألوف.

* د. حسن مدن كاتب صحفي من البحرين

المصدر | الخليج