الأربعاء 6 يناير 2021 06:28 ص

إيران وإمبراطورية الخراب

إيران المستفيد الرئيس من انتكاسة موجة الربيع العربي الأولى عبر دورها الأساسي والبارز في دعم القوى المضادة للثورة!

تمدد توسّعي يتمّ على حساب شعوب اليمن والعراق وسوريا ولبنان بل وشعب إيران أيضا فالسمة المشتركة للبلدان الخمسة: الخراب!

يفوق معدّل ارتفاع الأسعار (التضخم النقدي) في إيران 40 في المئة بوجه عام ويزيد عن الضعف بالنسبة لأسعار المأكولات.

«إيران أصبحت إمبراطورية كما كانت سابقاً وعاصمتها بغداد، وهي مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا اليوم كما كانت عبر التاريخ».

*     *     *

نادراً ما يلتفت المعلّقون على «الربيع العربي» وتبعاته إلى أن الحكم الإيراني كان هو المستفيد الرئيسي من الموجة الثورية الأولى التي خضّت المنطقة العربية في عام 2011.

والأصحّ أن نقول إن طهران كانت المستفيد الرئيسي من انتكاسة تلك الموجة الأولى، وذلك من خلال دورها الأساسي والبارز في دعم القوى المضادة للثورة، بدءاً من تدخّلها وأعوانها الإقليميين في إنقاذ نظام آل الأسد في سوريا في ربيع 2013.

وقد تبع ذلك امتداد تنظيم داعش في «الشام» ومن ثم اجتيازه للحدود في عام 2014 إلى العراق المجاور، حيث أتاح للجماعات الطائفية المسلّحة التابعة لإيران أن تتضخّم وتتمدّد وتُحكم سيطرتها على البلاد.

وفي نهاية العام ذاته، شنّ حلفاء إيران الحوثيون في اليمن هجوماً على العاصمة صنعاء واستولوا عليها بسرعة من خلال تحالفهم مع رأس القوى المضادة للثورة اليمنية، علي عبد الله صالح.

أما دور «حزب الله» في لبنان، فقد تعزّز بصورة خطيرة من خلال تطوير قدراته العسكرية بدعم إيراني إبّان مشاركته في الحرب المضادة للثورة السورية، ومن ثم من جرّاء تحوّل النظام السوري إلى الارتهان بإيران.

فقد أدّى هذا التحوّل الأخير إلى حلول طهران محلّ دمشق في الهيمنة على لبنان، الأمر الذي أطلق العنان لهيمنة فصيل إيران اللبناني بعد أن كان النظام السوري يلجمه حتى ذلك الحين.

هذه التطورات هي ما جعل النائب عن مدينة طهران في «مجلس الشورى الإسلامي» (البرلمان) الإيراني، علي رضا زاكاني، يعلن إثر سقوط صنعاء في خريف 2014 أن العاصمة اليمنية أصبحت العاصمة العربية الرابعة التابعة لطهران، بعد كل من بيروت ودمشق وبغداد.

وزاكاني عضو بارز في جناح «المحافظين» الإيرانيين، أي الجناح الأصولي المتعصّب (اشتهر بوصفه للإصلاحيين بأنهم «أعداء الثورة»).

وتبعه بعد أشهر قليلة، في مارس / آذار 2015، علي يونسي، مستشار الرئيس الإيراني للشؤون الدينية ورئيس وزارة الاستخبارات والأمن الوطني السابق ورئيس المكتب السياسي-الأيديولوجي لجيش «حرّاس الثورة الإسلامية» بتصريح مدوٍّ قال فيه:

إن «إيران أصبحت إمبراطورية كما كانت سابقاً وعاصمتها بغداد، وهي مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا اليوم كما كانت عبر التاريخ».

وقد تبعه في شهر مايو اللواء إسماعيل قاآني، الذي كان نائباً لقاسم سليماني حتى اغتيال هذا الأخير وقد حلّ محلّه في قيادة «فيلق القدس» التابع لحرّاس الثورة والمتخصّص بالعمليات العسكرية خارج الحدود الإيرانية، فتباهى قائلاً:

«لقد اكتسبنا قوتنا وعظمتنا في المنطقة من خلال قدرتنا العسكرية، ومن خلال الدول والتيارات التي تقف إلى جانب الثورة الإيرانية، وتعمل تحت العلم الإيراني في منطقة الشرق الأوسط».

والحقيقة أن هذا الامتداد الإيراني التوسّعي إنما يتمّ ليس على حساب شعوب البلدان العربية الأربعة المذكورة وحسب، بل على حساب الشعب الإيراني نفسه. والحال أن السمة المشتركة للبلدان الخمسة هي الخراب، سواء أكان خراباً متساوياً بكافة وأخطر معاني الكلمة كما في سوريا واليمن، أم خراباً اقتصادياً بالدرجة الأولى كما في إيران والعراق ولبنان.

فحسب البنك المركزي الإيراني يفوق معدّل ارتفاع الأسعار (التضخم النقدي) في إيران 40 في المئة بوجه عام ويزيد عن الضعف بالنسبة لأسعار المأكولات كاللحوم، الأمر الذي يترافق مع تهاوي العملة الإيرانية إزاء العملات الصعبة. وهذا يعني أن مستوى معيشة الإيرانيين في هبوط مستمر ومتسارع.

هذا الواقع وثيق الصلة بالسياسة التوسّعية التي ينتهجها النظام الإيراني في المنطقة. فمن جهة، أدّت هذه السياسة إلى تشديد الخناق الأمريكي على إيران بواسطة العقوبات.

ومن جهة أخرى، أضافت نفقات السياسة التوسّعية الباهظة، ولا تزال تضيف، ثقلاً كبيراً على كاهل الشعب الإيراني، الأمر الذي انعكس في الشعارات المعادية لتلك السياسة التوسّعية التي رفعتها الانتفاضات الشعبية الإيرانية المتتالية ضد حكم الطاغوت.

وليست الحالة الاقتصادية بأفضل بكثير في العراق، حيث اضطرّت الحكومة إلى تخفيض سعر الصرف الرسمي للدينار العراقي في نهاية العام المنصرم بما سرّع انحدار قدرة الشعب العراقي الشرائية. أما الحالة الاقتصادية في لبنان، فحدّث ولا حرج!

إن السمة المشتركة لأذرع التوسّع الإقليمي الإيراني، ولاسيما «حرّاس الثورة الإسلامية» في إيران والميليشيات المنضوية في إطار «الحشد الشعبي» في العراق و«حزب الله» في لبنان، هي أنها أجهزة تستقي مشروعيتها السياسية-الأيديولوجية وبالتالي تمويلها من العائدات النفطية الإيرانية والعراقية، تستقيهما من دورها العسكري.

ولها مصلحة بالتالي في تسعير التوتّرات السياسية بما يعزّز مشروعية هيمنتها في نظرها ونظر أنصارها، بيد أن هذا التسعير من شأنه أن يفاقم الأزمة الاقتصادية في بلدان هيمنتها.

هكذا تصبح شعوب البلدان الثلاثة أسيرة حالة حلزونية على غرار ما تعاني منه كافة البلدان الخاضعة لجماعات مسلّحة مستقلّة عن جهاز الدولة الرسمي. أما مؤدّى مثل هذه الحالة عاجلاً أو آجلاً، فهو الانهيار الاقتصادي الكامل الذي يمهّد لانتهاء الجماعات وتسلّطها إثر نضوب مصدر تمويلها.

* د. جلبير الأشقر كاتب وأكاديمي من لبنان

المصدر | القدس العربي