شطحات ماركس

باستثناء منهجه وقوانين اكتشفها بشأن الصراع الطبقي وفائض القيمة فكثير من تعاليمه ليست نصوصا مقدّسة.

لكن ذلك لا ينفي عبقريّته ومواهبه وموسوعيّته كفيلسوف ومفكّر وعالم اجتماع واقتصادي، وسياسي يسيل من قلمه حبر الأديب وتتدفّق لغته بالشعر.

تعامل أنصاره ومريديه مع تعاليمه وتفسيراته كمعتقدات مردّدين مقولاته كتعاويذ وأدعية وتلقين مدرسي لا علاقة له بجوهر منهجه أو روح العصر.

*     *     *

في استفتاء أجرته هيئة الإذاعة البريطانية، بي بي سي، في مطلع الألفية الثالثة، كان ماركس واحداً من بين أهم 100 شخصية مؤثّرة في العالم، ولا أخال أحداً من جيلنا الستّيني إلا وترك ماركس شيئاً عنده.

لكن ذلك لا يعني أنه من دون أخطاء، أو شطحات، وباستثناء المنهج الذي اعتمده والقوانين التي اكتشفها بشأن الصراع الطبقي، وفائض القيمة، فإنّ الكثير من تعاليمه لا ينبغي التعامل معها كنصوص مقدّسة.

وفي حين إن تعاليم ماركس واجتهاداته هي مجرّد آراء بعضها تجاوزها الزمن، أو أن الحياة لم تزكّها، لكن ذلك لا ينفي عبقريّته، ومواهبه، وموسوعيّته كفيلسوف، ومفكّر، وعالم اجتماع، واقتصادي، وسياسي، يسيل من قلمه حبر الأديب، وتتدفّق لغته بالشعر.

في عام 1984 كتبتُ في مجلّة «الهدف» خاطرة تأمّلية بعنوان «بروموثيوس هذا الزمان»، جئت فيها على منجز ماركس الفكري والثقافي، بمناسبة مئوية وفاته (14 مارس/ آذار1883). وإذا كان أعداؤه وخصومه يعتبرونه تهديداً لهم، ولمصالحهم، لدرجة أنّ شبحه لم يعد يجوب «أوروبا العجوز» فحسب، بل شطر العالم إلى نصفين في القرن العشرين.

فإنّ أنصاره ومريديه تعاملوا مع تعاليمه وتفسيراته كمعتقدات «منزّلة»، مردّدين بعض مقولاته بطريقة أقرب إلى التعاويذ، والأدعية، والتلقينيّة المدرسية التي لا علاقة لها بجوهر منهجه، فضلاً عن روح العصر.

ثلاث قضايا يمكن التوقّف عندها في هذه المساحة بشأن بعض شطحات ماركس:

أولاها: موقفه الخاطئ بخصوص الاستعمار الاستيطاني الفرنسي في الجزائر (1830)، ورسالته «التمدينيّة»، ولعلّ الفضل في اطلاعنا على موقفه هذا يعود إلى الصديق جورج طرابيشي الذي ترجم كتاباً عن الفرنسية بعنوان «الماركسية والجزائر»، كشف فيه عن قصور وُجهة نظر ماركس.

علماً بأن الطبعة الروسية كانت حذفت فقرات منه لأنها صادمة، ومُحرجة، خصوصاً رؤية ماركس المغلوطة، وتقديره المغلوط للاستعمار الفرنسي في الجزائر بوصفه «شكلاً من أشكال الهجرات التي تنقل التمدين والتحضّر إلى شعوب شبه بدائيّة، أو شعوب متخلّفة» باعتبارها: بدواً، قطّاع طُرق، لصوصاً.

وكانت نظرته تلك تقوم على وجهة نظر اقتصادية بحتة، بعيداً عن الجوانب الحضارية، والثقافية، والإنسانية، بتفسير مبتسر مفاده أنّ الثورة الصناعية أدّت إلى تضخّم رأس المال واحتاجت إلى الموارد والأسواق والأيادي العاملة، فكانت الهجرات.

ومثل هذا الرأي يهمل الطابع الإجرامي لتلك المحاولات الاستعمارية الاستيطانيّة، وسعيها لقهر شعوب هذه البلدان، ونهب ثرواتها، وتدمير ثقافاتها، وإلغاء هُويّاتها، ومع أنّه لم ينسَ التعاطف مع الضحايا، لكنّ ذلك جاء من زاوية أخلاقية.

ثانيتها: موقفه المتناقض من تقرير المصير، فرغم أنّه هو الذي صاغ فكرة «إن شعباً يضطهد شعباً آخر لا يمكن أن يكون حرًّا»، ودعا إلى استقلال بولونيا في حركة قادها الإقطاعيون ضدّ روسيا لأن ذلك سيكون خطوة مهمّة تسمح بإنضاج التناقضات، وهي استنتاج دقيق.

لكنه وقف ضدّ حقّ تقرير المصير للشعبين التشيكي، والسلوفاكي، اللذين كانا يطالبان بالاستقلال من الإمبراطوية النمساوية المجريّة، والسبب، حسب وجهة نظره، أنّهما «شعبان رجعيّان»، وضعيفان، وصغيران.

ثالثتها: كان موقفه المُلتبس والخاطئ من إيرلندا، لا سيّما في المرحلة الأولى، ففي رسالة منه إلى إنغلز بتاريخ 23 مايو/ أيار 1856، يقول «لقد تحوّل الإيرلنديون بواسطة القمع المنهجي إلى أُمّة ساقطة».

وهناك رسالة ثانية بهذا الخصوص بتاريخ 24 أكتوبر/ تشرين الأول 1869، ويبني استنتاجاته انطلاقاً من منظور تقدّميّة الطبقة العاملة الإنجليزية تجاه إيرلندا المتخلّفة والمحتلة، التي يعزو إليها سبب سقوط الجمهورية في زمن كرومويل، ويدعو إلى قطع علاقة الطبقة العاملة الإنكليزية بإيرلندا، بعيداً عن كلّ جملة أُمميّة وإنسانية بشأن العدالة.

وحسب رأيه إن لم تنتصر الطبقة العاملة وتتحرّر في إنكلترا، فلن يتمّ تغيير الأوضاع في إيرلندا، أيّ أن التحولات الاشتراكية في المركز ستؤدي إلى تحسّن الأمور في البلد الطرفي، والمتأخر، لأن رافع التقدم هو لندن، وليس دبلن، لكنه يعود في عام 1870 ليتحدّث عن اضطهاد مركّب رأسمالي متزامن مع اضطهاد قومي ضدّ إيرلندا.

وباستثناء المنهج، فجزء كبير من تعاليم ماركس وشطحاته بالطبع يمكن الاحتفاظ به في المكتبات، أو المتاحف، حتى إن بقيت الأحلام واليوتوبيّات ورديّة، فتلك مأثرة أيضاً.

* د. عبدالحسين شعبان أكاديمي ومفكر عراقي، نائب رئيس جامعة اللاّعنف وحقوق الإنسان (أونور) في بيروت.

المصدر | الخليج